أنتلجنسيا المغرب: أبو ملاك
الحمد لله
الذي أمر بالإحسان، وجعل التراحم بين عباده من أعظم شعب الإيمان، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى
الله تعالى، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ
وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ
اتَّقُوا اللَّهَ﴾. عباد الله، إن من أعظم ما تظهر به حقيقة الإيمان صدق التضامن
عند المحن والشدائد، والوقوف إلى جانب الضعفاء والمحتاجين، وإغاثة الملهوف، وإكرام
الغريب، ومواساة المهاجر الذي فارق أهله ودياره بحثا عن الأمن أو الرزق أو حياة
كريمة، فالإسلام دين رحمة وتكافل، لا يترك الإنسان وحيدا في مواجهة آلام الحياة
وتقلباتها.
أيها
المؤمنون، إن التضامن ليس مجرد كلمات تقال أو مشاعر عابرة، بل هو سلوك عملي يظهر
عند الحاجة، حين يمرض الإنسان، أو يفقد عمله، أو تضيق به السبل، أو تنزل به نازلة
لا يستطيع مواجهتها وحده. وقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، سورة التوبة، الآية 71، أي
يتناصرون ويتعاونون على الخير ويأمر بعضهم بعضا بالمعروف. وقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، متفق عليه. فهذا هو المجتمع
الذي أراده الإسلام، مجتمع تتكامل فيه القلوب والأيدي، ويجد فيه الضعيف من يقويه،
والفقير من يواسيه، والغريب من يؤويه، والمكلوم من يخفف عنه، فلا تكون الشدائد
سببا في تفرق الناس، بل مناسبة لتجديد معاني الأخوة والرحمة.
عباد الله، إن
المحن تكشف معادن الرجال وصدق الإيمان، ففي أوقات الكوارث والأزمات والأمراض
والحروب وفقدان الأرزاق، يحتاج الناس إلى من يمد إليهم يد العون، ويقدم لهم الطعام
والدواء والكساء، ويساعدهم على تجاوز محنتهم بكرامة. وقد قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ﴾، سورة المائدة، الآية 2. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان
في حاجة أخيه كان الله في حاجته»، متفق عليه. فطوبى لمن جعل من ماله ووقته وجهده
نصيبا لإغاثة الملهوفين، وسعى في تفريج كرب المكروبين، ولم ينتظر مقابلا أو ثناء،
بل ابتغى بذلك وجه الله تعالى، مؤمنا بأن ما يقدمه للناس من خير يجده عند الله يوم
القيامة.
أيها
المسلمون، من الأخلاق العظيمة التي حث عليها الإسلام إكرام الضيف وعابر السبيل،
فكم من إنسان أدركه السفر بعيدا عن أهله، وكم من مسافر انقطعت به السبل، وكم من
غريب لا يعرف في البلد الذي حل فيه أحدا، ولا يجد من يدله أو يعينه أو يخفف عنه
وحشة الغربة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليكرم ضيفه»، متفق عليه. كما جعل القرآن الكريم إيتاء المال للمحتاجين وابن
السبيل من وجوه البر، فقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي
الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾، سورة البقرة،
الآية 177. والإحسان إلى عابر السبيل لا يقتصر على المال والطعام، بل يشمل حسن
الاستقبال، والكلمة الطيبة، والإرشاد إلى الطريق، والمساعدة في الوصول إلى مكان
آمن، وصيانة كرامة الغريب وعدم استغلال حاجته أو ضعفه.
عباد الله، إن
من أشد ما يواجه الإنسان أن يترك وطنه وأهله وذكرياته، ويبدأ حياة جديدة في بلد لا
يعرف لغته أو عاداته، وقد يكون سبب هجرته طلب الرزق، أو متابعة الدراسة، أو الفرار
من حرب واضطهاد، أو البحث عن الأمن والاستقرار. وهؤلاء في حاجة إلى من يستقبلهم
بالرحمة، ويساعدهم على تجاوز الصعوبات، ويعرفهم بحقوقهم وواجباتهم، ويعينهم على
الاندماج الإيجابي في المجتمع مع المحافظة على هويتهم وقيمهم. وقد قال الله تعالى
في مدح الأنصار الذين استقبلوا المهاجرين: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ
وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا
يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، سورة الحشر، الآية 9. وهذه الآية
الكريمة تقدم نموذجا رفيعا في استقبال المهاجرين، يقوم على المحبة والإيثار وفتح
القلوب قبل البيوت، ومساعدة الوافدين على بناء حياة كريمة تحفظ إنسانيتهم وكرامتهم.
أيها
المؤمنون، إن الإحسان في الإسلام لا يتوقف على معرفة الشخص أو قربه أو انتمائه، بل
إن كرامة الإنسان تستوجب معاملته بالعدل والرحمة، ولا سيما حين يكون ضعيفا أو
محتاجا أو غريبا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ
وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، سورة النساء، الآية 36. فتأملوا كيف قرن الله
الإحسان إلى ابن السبيل بعبادته والإحسان إلى الوالدين وسائر الفئات التي تستحق
الرعاية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من
في الأرض يرحمكم من في السماء»، رواه أبو داود والترمذي. فليحذر المسلم من احتقار
الغريب أو السخرية من لغته أو فقره أو اختلافه، وليجعل معاملته للناس شاهدة على
حسن دينه وخلقه.
أيها الإخوة
والأخوات، إن الجاليات المسلمة في بلاد المهجر مدعوة إلى تجسيد معاني الأخوة
والتكافل فيما بينها، خاصة عندما يواجه أحد أفرادها البطالة أو المرض أو ضيق السكن
أو صعوبات الإجراءات الإدارية أو العزلة الاجتماعية. ومن واجب القادرين أن يسعوا
إلى مساعدة المحتاج، وإرشاد الوافد الجديد، ومرافقة المريض، وتوجيه الشباب، ورعاية
الأسر التي تمر بظروف صعبة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لمن يشعر بالوحدة أو
الغربة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في
عون أخيه»، رواه مسلم. فلتكن مساجدنا ومراكزنا وجمعياتنا فضاءات للتعارف والتعاون،
ولتكن مساعداتنا منظمة تحفظ خصوصية المحتاج وكرامته، وتصل إلى مستحقيها، بعيدا عن
التفاخر والتشهير، لأن الغاية من الصدقة والإحسان هي ابتغاء مرضاة الله وإصلاح
أحوال الناس.
عباد الله، إن
المسلم في بلاد المهجر يحمل مسؤولية أخلاقية في معاملته للناس، فهو مطالب بأن يكون
صادقا أمينا، محسنا إلى جيرانه، وفيا بعهوده، ملتزما بالقوانين التي لا تخالف شرع
الله، مساهما في الخير العام، بعيدا عن الظلم والغش والإساءة. كما أن المجتمع
المضيف مدعو إلى معاملة المهاجرين بالعدل واحترام كرامتهم الإنسانية، وعدم تحميلهم
مسؤولية المشكلات أو التعميم عليهم بسبب أخطاء أفراد. قال الله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ﴾، سورة الحجرات، الآية 13. فالتعارف والتعاون والعدل هي أسس التعايش
السليم، والإحسان إلى المحتاج والغريب من أعظم السبل لإظهار حقيقة الإسلام القائمة
على الرحمة والعدل وصيانة الكرامة الإنسانية.
أيها
المؤمنون، قد يظن بعض الناس أن التضامن لا يتحقق إلا بكثرة المال، وهذا غير صحيح،
فباب الخير واسع، ومن لم يستطع أن يعطي من ماله استطاع أن يعطي من وقته وجهده
وخبرته، ومن لم يملك شيئا قدم كلمة طيبة أو نصيحة صادقة أو دلالة على جهة تقدم
المساعدة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن
لم يجد فبكلمة طيبة»، متفق عليه. فلنحرص على إنشاء مبادرات خيرية لمساعدة
المسافرين المنقطعة بهم السبل، ودعم المهاجرين الجدد، وإغاثة الأسر المتضررة،
وتوفير ما أمكن من الطعام واللباس والدواء، ولنبتعد عن المن والأذى، فقد قال الله
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ
وَالْأَذَىٰ﴾، سورة البقرة، الآية 264. فليكن إحساننا خالصا لله، مصحوبا بالتواضع
والرفق وحفظ كرامة من نساعدهم.
عباد الله، إن
التضامن في المحن والشدائد ليس نافلة أخلاقية فحسب، بل هو مظهر من مظاهر الإيمان
وسبب من أسباب قوة المجتمع وتماسكه، وإن إكرام عابر السبيل، ومواساة المهاجر،
وإغاثة المنكوب، ورعاية الضعيف، أعمال ترفع قدر صاحبها عند الله وتزرع المحبة بين
الناس. فلنحاسب أنفسنا: هل سألنا عن جار محتاج؟ هل ساعدنا غريبا انقطعت به السبل؟
هل وقفنا مع مهاجر يعاني الوحدة أو العجز؟ وهل جعلنا من نعم الله علينا وسيلة
لتخفيف آلام الآخرين؟ اللهم اجعلنا من عبادك الراحمين، وألّف بين قلوبنا، وأغث
الملهوفين، واشف المرضى، وارحم الضعفاء، وفرّج كرب المكروبين، وأطعم الجائعين،
وآمن الخائفين، ويسّر للمهاجرين والمغتربين سبل الخير والكرامة، واجعلنا مفاتيح
للخير مغاليق للشر، ووفقنا للتعاون على البر والتقوى. اللهم صل وسلم وبارك على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك