أنتلجنسيا المغرب: الرباط
صلة الرحم
ليست مجرد زيارات عابرة أو اتصالات موسمية، بل هي عبادة عظيمة جعلها الإسلام من
أبواب البر والتقوى، وربطها بالإيمان وحسن الخلق وحفظ روابط الأسرة، فالأهل
والأقارب والأحباب سند للإنسان في أفراحه وأحزانه، ومن المؤسف أن تتحول خلافات
عابرة أو سوء فهم أو نزاع حول المال والميراث إلى قطيعة تمتد سنوات، بينما تبقى أبواب
الصلح مفتوحة لمن أراد أن يتقرب إلى الله ويغلب التسامح على الخصومة، وقد قال الله
تعالى:
﴿وَاتَّقُوا
اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، وهي آية تذكّر
المؤمن بأن صلة الأقارب ليست أمراً هامشياً، بل مسؤولية يسأل عنها الإنسان أمام
الله.
وقد شدد
القرآن الكريم في التحذير من قطيعة الأرحام، فقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ
تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23]، وفي هذه الآيات بيان لخطر القطيعة وما
يمكن أن تتركه من آثار دينية وإنسانية عميقة، ولذلك فإن الخلاف بين الأقارب لا
ينبغي أن يتحول إلى عداوة دائمة، ولا أن يجعل الإنسان ينسى حق القرابة بسبب موقف
أو خصومة أو كلمة قيلت في لحظة غضب.
وجاءت السنة
النبوية لتؤكد هذا المعنى بوضوح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن سرَّه أن يُبسط له في
رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»، وهو حديث متفق عليه، يبين عظيم فضل صلة
الرحم وما فيها من بركة في حياة الإنسان، فزيارة الوالدين والأقارب، والسؤال عن
أحوالهم، ومواساة المحتاج منهم، والوقوف إلى جانب المريض أو الكبير أو من يمر
بضيق، كلها صور عملية لمعنى الصلة التي دعا إليها الإسلام، وليست الصلة مرتبطة
بكثرة المال أو القدرة على تقديم الهدايا، بل قد تبدأ بكلمة طيبة واتصال صادق وسؤال
يحمل المحبة.
ومن أجمل ما
جاء في السنة أن صلة الرحم الحقيقية لا تكون فقط مع من يبادلك المحبة والزيارة،
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي
إذا قطعت رحمه وصلها»، وفي هذا توجيه عظيم إلى تجاوز منطق المعاملة بالمثل، فالإنسان قد
يجد من قريبه جفاء أو تقصيراً أو حتى إساءة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يرد
القطيعة بقطيعة أخرى، وإنما يكون الفضل في أن يحاول الإصلاح بالقدر المستطاع، وأن
يحافظ على ما يمكن الحفاظ عليه من المودة والاحترام، من دون أن يسمح للخلافات بأن
تهدم روابط عمر كامل.
وتزداد قيمة
صلة الرحم حين تكون في الأوقات الصعبة، فالوقوف إلى جانب قريب مريض، أو مساعدة
أسرة تمر بضائقة، أو زيارة كبير في السن، أو السؤال عن شخص غائب، أو مشاركة الأهل
أفراحهم وأحزانهم، كلها أعمال قد تبدو بسيطة في نظر الناس لكنها عظيمة الأثر في
النفوس، وقد تكون كلمة واحدة سبباً في إنهاء خصومة طويلة أو إعادة علاقة انقطعت،
ولذلك فإن المبادرة إلى الصلح ليست ضعفاً ولا تنازلاً عن الكرامة، بل يمكن أن تكون
دليلاً على قوة النفس ورجاحة العقل وصدق الرغبة في إصلاح ذات البين.
كما أن صلة
الرحم لا تعني تجاهل الأخطاء أو السماح بالظلم والإساءة، فالإنسان يستطيع أن يحافظ
على الحد الأدنى من التواصل والاحترام مع وضع حدود تحفظ كرامته وسلامته، ويمكن أن
تكون الصلة أحياناً بالسؤال والدعاء أو التواصل من بعيد عندما يتعذر اللقاء،
والمقصود ألا تتحول الخصومة إلى كراهية دائمة أو قطيعة مطلقة، لأن العلاقات
العائلية تحتاج إلى الحكمة والصبر وحسن اختيار الكلمات، خصوصاً عندما تكون أسباب
الخلاف متراكمة وتحتاج إلى وقت حتى تهدأ النفوس وتعود الثقة.
ومن أعظم ما
ينبغي أن يتذكره الإنسان أن العمر أقصر من أن يضيعه في الخصومات، فكثير من الناس
يؤجلون المصالحة حتى تمر السنوات، ثم يكتشفون أن شخصاً كانوا يخاصمونه قد رحل عن
الدنيا ولم تعد هناك فرصة لكلمة اعتذار أو عناق أو جلسة تجمع القلوب، ولهذا فإن
المبادرة إلى صلة الأهل والأحباب قبل فوات الأوان من أجمل أبواب الخير، وقد قال
الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ
يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21]، في وصف يحمل تذكيراً بأن حفظ الروابط التي
أمر الله بها من صفات أهل الإيمان والخشية.
والرحم في
السنة النبوية لها شأن عظيم، فقد ورد في الحديث القدسي الذي رواه البخاري أن الرحم
قالت:
«هذا مقام العائذ بك من القطيعة»، فقيل لها: «أما ترضين أن أصل من وصلك
وأقطع من قطعك»، قالت: بلى، قال: «فذاك»، وهو تصوير بليغ لمكانة الصلة وخطورة
القطيعة، ويجعل الإنسان أكثر حرصاً على ألا يقطع ما بينه وبين أقاربه بسبب خلاف
يمكن علاجه بالحوار أو الاعتذار أو الصفح، فالتسامح داخل الأسرة ليس مجرد خلق
اجتماعي جميل، وإنما طريق إلى إصلاح القلوب وحفظ المودة وتقوية المجتمع.
وفي النهاية،
تبقى صلة الرحم رسالة يومية تحتاج إلى أفعال لا إلى شعارات، فاتصل بمن انقطعت عنه،
واسأل عن قريب لم تره منذ مدة، زر والديك وأقاربك ما استطعت، سامح من أخطأ في حقك
إذا كان العفو ممكناً، وبادر إلى الصلح قبل أن تكبر المسافة بين القلوب، وتذكر أن
الإنسان قد يملك الكثير من المال والنجاح لكنه لا يستطيع شراء لحظة واحدة مع قريب
رحل عن الدنيا، فالأهل نعمة، والمحبة نعمة، ودوام التواصل نعمة أعظم، ومن وصل رحمه
ابتغاء مرضاة الله فقد حافظ على رابطة جعل لها الشرع مكانة عظيمة، ومن استطاع أن
يطفئ نار الخصومة بكلمة طيبة فلا يؤخرها، فرب كلمة صادقة تعيد عائلة إلى دفء
المحبة بعد سنوات من الجفاء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك