حين تضيق الدنيا تتسع القلوب والتكافل العائلي طوق النجاة في زمن المحن والشدائد

حين تضيق الدنيا تتسع القلوب والتكافل العائلي طوق النجاة في زمن المحن والشدائد
دين / الجمعة 28 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: الرباط

في زمن المحن والشدائد، حين تضيق سبل العيش وتتراكم الأزمات ويجد الإنسان نفسه أمام ظروف لم يكن يتوقعها، تظهر حقيقة العلاقات العائلية على وجهها الحقيقي، فالعائلة ليست فقط اجتماعاً في المناسبات والأعياد، وليست مجرد أسماء تجمعها شجرة النسب، وإنما هي قبل ذلك وبعده سند وقت الحاجة، وملجأ عند الخوف، ويد تمتد في اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن الأبواب كلها قد أغلقت، وقد جعل الإسلام صلة الرحم والتعاون بين الأقارب من القيم العظيمة التي تحفظ تماسك المجتمع، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، فالتكافل الحقيقي لا يظهر عندما تكون الحياة سهلة، وإنما تظهر قيمته عندما تشتد الأزمات ويحتاج الإنسان إلى من يقف بجانبه دون حسابات أو انتظار مقابل.

والتكافل بين أفراد العائلة لا يعني المال وحده، وإن كان المال في أوقات كثيرة وسيلة مهمة لتجاوز المحن، لكنه يشمل أيضاً السؤال والزيارة والمواساة وقضاء الحاجات وتقديم المشورة وفتح الأبواب أمام من فقد عمله أو عجز عن توفير احتياجات أسرته، وقد يكون موقف بسيط من أحد الأقارب أكثر قيمة من مبلغ مالي كبير، كأن يجد الإنسان من يستمع إليه دون لوم، أو من يرافقه في المستشفى، أو من يساعد أبناءه في الدراسة، أو من يسانده في البحث عن عمل، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه»، لأن صلة الرحم ليست مجرد عادة اجتماعية، وإنما عبادة ومسؤولية أخلاقية وإنسانية، وكلما اشتدت المحنة أصبحت هذه المسؤولية أكثر إلحاحاً.

وقد تمر العائلات بأزمات تكشف معدن أفرادها، فقد يفقد أحد الأقارب مصدر رزقه، أو يمرض أحد أفراد الأسرة، أو تتراكم الديون، أو تقع كارثة مفاجئة تجعل الأسرة عاجزة عن مواجهة تكاليف الحياة، وهنا يصبح التآزر ضرورة وليس ترفاً، فحين يتقاسم الأقارب المسؤولية تخف وطأة المصيبة، وحين يشعر المحتاج أنه ليس وحيداً تصبح قدرته على الصمود أكبر، وقد قال النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وهذا المعنى لا ينبغي أن يبقى محصوراً في الكلام، بل يجب أن يتحول إلى سلوك يومي يجعل القريب قريباً بالفعل لا بالاسم فقط.

ومن أجمل صور التكافل أن يتعاون أفراد العائلة دون إذلال المحتاج أو التشهير بظروفه، فالإنسان قد يحتاج إلى المساعدة لكنه لا يريد أن يشعر بأنه أصبح عبئاً على الآخرين، ولذلك فإن حفظ الكرامة جزء أساسي من الإحسان، وقد قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾، فالمساعدة التي تجرح صاحبها أو تذكره في كل مناسبة بما قدم إليه تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها، أما التكافل الحقيقي فهو الذي يجعل يد المعطي فوق يد المحتاج من دون استعلاء، ويجعل من المساعدة جسراً يعبر به الإنسان محنته ثم يستعيد قدرته على الوقوف بنفسه.

وفي المجتمعات التي تعرف ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وصعوبة السكن والعلاج والتعليم، تصبح الأسرة الممتدة شبكة أمان اجتماعي لا يمكن الاستهانة بدورها، فقد يتكفل أحد الأقارب بمصاريف دراسة أبناء أخيه، ويساعد آخر في كراء المسكن، ويتدخل ثالث لتوفير علاج لمريض، ويقدم رابع فرصة عمل لشاب يبحث عنها منذ مدة، وقد تتعاون العائلة كلها لتجاوز أزمة مفاجئة، وهذه الصور وإن بدت بسيطة فإنها تمنع الكثير من الأسر من السقوط في اليأس والعجز، قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فكل معروف صادق يمكن أن يتحول إلى سبب في حفظ أسرة وإعادة الأمل إلى إنسان.

لكن التكافل العائلي لا ينبغي أن يكون مرتبطاً فقط بالكوارث الكبيرة، لأن القطيعة غالباً ما تبدأ من تفاصيل صغيرة، من خلاف على المال، أو سوء فهم، أو حساسية بين الإخوة، أو نزاع بين أبناء الأقارب، ثم تكبر المسافة مع مرور السنوات حتى يصبح التواصل ثقيلاً، ولذلك حث الإسلام على صلة الرحم حتى مع وجود الاختلاف، وقال رسول الله ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»، وهذا الحديث يحمل معنى عميقاً، فصلة الرحم الحقيقية لا تختبر عندما تكون العلاقات مثالية، وإنما عندما يكون هناك خلاف يحتاج إلى التسامح والتغاضي وإعادة بناء الجسور، لأن المحن قد تأتي فجأة، وقد يكتشف الإنسان حينها أن ما كان يظنه خلافاً كبيراً لا يساوي شيئاً أمام مرض أو وفاة أو أزمة حقيقية.

وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل كثيرة لكن العلاقات الإنسانية في بعض الأحيان أصبحت أكثر برودة، تحتاج العائلات إلى إعادة اكتشاف قيمة الاجتماع الحقيقي والتواصل المباشر، فليس المطلوب أن تتحول كل عائلة إلى مؤسسة مالية، وإنما أن تتأسس داخلها ثقافة السؤال عن الضعيف، والوقوف مع المريض، وإسناد الأرملة واليتيم، ومساعدة الشاب على بناء مستقبله، واحترام كبار السن، وحل الخلافات قبل أن تتحول إلى قطيعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، فالتماسك قوة، والانقسام في زمن الشدة قد يجعل المحنة أكبر مما هي عليه، بينما التعاون يحول الأسرة إلى حصن يحمي أفرادها من الانكسار.

فإن أعظم ما يمكن أن تفعله العائلة في أوقات الشدة هو أن تجعل الإنسان يشعر بأنه ليس وحيداً، وأن له من يقف بجانبه عندما تتغير الظروف، فالأموال قد تنفد والممتلكات قد تضيع والوظائف قد تتغير، لكن موقفاً صادقاً من أخ أو أخت أو عم أو خال أو قريب قد يبقى في ذاكرة الإنسان طوال حياته، ولذلك فإن التكافل والتآزر ليسا مجرد قيم اجتماعية جميلة، بل هما من المعاني التي تحفظ كرامة الإنسان وتقوي المجتمع وتزرع الرحمة بين أفراده، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، فحين تتكاتف العائلات في زمن المحن، لا تختفي الشدائد بالضرورة، لكنها تصبح أخف وطأة، ويصبح تجاوزها ممكناً، وتتحول المحنة من سبب للانهيار إلى مناسبة لاكتشاف قوة المحبة والرحمة وصلة الرحم.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك