أنتلجنسيا المغرب: الرباط
في ظل موجة
الهجرة الجماعية التي تكشف حجم القلق الذي يعيشه جزء من الشباب المغربي، لم يعد
كافياً أن تمر خطبة الجمعة في كثير من المساجد مروراً عادياً بعيداً عن القضايا
التي تشغل المجتمع، فالمسجد مؤسسة حاضرة في حياة المغاربة ويوم الجمعة يحظى بمكانة
دينية واجتماعية استثنائية، ولذلك يجب أن تصبح المساجد فضاءً حقيقياً للتأطير والتوجيه
ومناقشة القضايا التي تمس حياة الناس وفي مقدمتها الهجرة واليأس من المستقبل.
ويجب أن يصبح
الخطباء والأئمة أكثر حضوراً في الملفات التي تستقطب الشباب، من خلال خطاب ديني
واضح يحذر من مخاطر الهجرة السرية والمغامرة بالحياة والوقوع في شبكات التهريب
والاستغلال، دون الاكتفاء بالنصح العام أو المواعظ التقليدية، بل مخاطبة الشباب
بلغتهم والاقتراب من أسباب تفكيرهم في الرحيل من البطالة وغلاء المعيشة وصعوبة
الزواج إلى الإحساس بانسداد الأفق، لأن مواجهة الظاهرة تبدأ أيضاً بفهم الدوافع
التي تقف وراءها.
ويكتسب هذا
الدور أهمية خاصة في المغرب لأن يوم الجمعة ليس مناسبة دينية فحسب، بل موعد أسبوعي
يجتمع فيه ملايين المواطنين داخل المساجد ويستمعون إلى الخطب في أجواء يسودها
الاحترام والتأثير الروحي، وهو ما يجعل منبر الجمعة قادراً على إيصال رسائل قوية
حول قيمة الحياة وحفظ النفس وبر الوالدين وصلة الرحم والمسؤولية تجاه الأسرة
والمجتمع، مع التأكيد على أن طلب الرزق مشروع وأن السعي نحو مستقبل أفضل حق
للإنسان، لكن تعريض النفس للهلاك أو الارتهان لشبكات الاتجار بالبشر ليس طريقاً
آمناً إلى ذلك المستقبل.
ولهذا يجب أن
تتحول المساجد إلى جزء من منظومة التأطير الاجتماعي للشباب لا أن تبقى بعيدة عن
التحولات التي يعرفها المجتمع، وأن يصبح خطاب الجمعة أكثر ارتباطاً بالواقع وأكثر
قدرة على معالجة الأسئلة التي تؤرق الأجيال الجديدة، فالدور الديني لا يقتصر على
التحذير من الهجرة وإنما يمتد إلى زرع الأمل وتشجيع العمل والتكوين والإنتاج
والتكافل، غير أن هذا الدور لن يكون كافياً وحده ما لم ترافقه سياسات حقيقية توفر
للشباب فرص العمل والسكن والزواج والعيش الكريم وتجعل بناء المستقبل داخل المغرب
خياراً قابلاً للتحقق.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك