أنتلجنسيا المغرب:الرباط
مع حلول شهر رمضان يتجدد النقاش حول
مسألة الاغتسال من الجنابة وأثرها على صحة الصيام، خاصة حين يستيقظ بعض الناس جنبا
بعد الفجر بسبب جماع أو احتلام، فيتساءلون هل يصح الصوم مع تأخير الغسل إلى ما بعد
الشروق أو إلى منتصف اليوم، أم أن الطهارة شرط لصحة الصيام منذ طلوع الفجر.
الأصل الذي يجمع عليه جمهور الفقهاء
أن الطهارة من الجنابة ليست شرطا لصحة الصيام، وإنما هي شرط لصحة الصلاة، ودليلهم
ما ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر وأم سلمة رضي الله عنهما أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم، وهو
حديث صريح يدل على أن دخول الفجر على الجنب لا يفسد الصوم.
وقد أشار القرآن الكريم إلى جواز
مباشرة الزوجة في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر في قوله تعالى في سورة البقرة
فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، فلو كانت الجنابة عند طلوع الفجر مفسدة للصيام لما
أباح الله الجماع إلى هذا الحد الزمني الدقيق.
من هنا ذهب جمهور العلماء من المالكية
والشافعية والحنابلة وكثير من الحنفية إلى أن من أصبح جنبا فصومه صحيح، سواء اغتسل
قبل الشروق أو بعده، شريطة أن يبادر إلى الغسل لأداء صلاة الفجر في وقتها، لأن
تأخير الصلاة عن وقتها هو المحرم وليس مجرد البقاء على الجنابة.
أما الاحتلام في نهار رمضان فليس له
تأثير على الصيام لأنه أمر خارج عن إرادة الإنسان، وقد رفع الشرع الحرج في مثل هذه
الحالات، لقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولحديث النبي صلى الله عليه
وسلم إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
ويخلط بعض الناس بين الطهارة شرطا
للصلاة وشرطا للصيام، فيظنون أن بقاء الجنب إلى منتصف اليوم يبطل صومه، بينما
الصحيح أن الصوم عبادة زمنية أساسها الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب
الشمس، وليس من المفطرات الجنابة في ذاتها.
غير أن الفقهاء نبهوا إلى كراهة تعمد
تأخير الغسل من غير عذر إذا ترتب عليه تضييع الصلاة أو أداؤها خارج وقتها، لأن
الصلاة عمود الدين، وقد قال تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، فلا
يجوز التهاون بها بحجة صحة الصوم.
وفي بعض الحالات قد يتعذر الاغتسال
مباشرة لعدم توفر الماء أو لمرض أو لظروف قاهرة، وهنا شرع الله التيمم بقوله تعالى
وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا
ماء فتيمموا صعيدا طيبا، مما يدل على يسر الشريعة ورفعها للحرج عن المكلفين.
الخلاصة أن من أصبح جنبا في رمضان
فصومه صحيح باتفاق جمهور العلماء، سواء اغتسل قبل الشروق أو بعده، ما دام قد نوى
الصيام وأمسك عن المفطرات، ويبقى الواجب هو المبادرة إلى الطهارة لأداء الصلاة في
وقتها، فالشريعة جمعت بين صحة العبادة وروح الانضباط والطهارة التي تليق بشهر
الصيام.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك