الهجرة عبر البحر انتحار ومحرمة شرعا

الهجرة عبر البحر انتحار ومحرمة شرعا
دين / الجمعة 21 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء

إن الإسلام جعل حفظ النفس من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة لصيانتها، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يدفع بنفسه إلى خطر يغلب على الظن أنه قد يؤدي إلى الموت، بحثا عن فرصة أفضل أو هربا من واقع صعب، قال الله تعالى، ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، وقال سبحانه، ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، ومن هنا فإن ركوب قوارب متهالكة ومكتظة، والإبحار في ظروف خطيرة، مع العلم باحتمال الغرق، ليس أمرا بسيطا يمكن الاستهانة به، بل هو تعريض للنفس للهلاك بصورة تتعارض مع مقصد الشريعة في حفظ الحياة.

وما وقع خلال موجة النزوح الجماعي نحو سبتة يفتح الباب أمام سؤال ديني وإنساني مؤلم، كيف يمكن لشاب في مقتبل العمر أن يقبل بالمخاطرة بحياته وسط البحر، وهو يعلم أن الرحلة قد تنتهي بالغرق أو الفقدان، وأن أمه وأباه قد يستيقظان بعد ذلك على خبر لا يتمنيان سماعه، إن الفقر والبطالة والضيق الاجتماعي ومشاكل الحياة كلها أزمات حقيقية تستحق المعالجة، لكنها لا تجعل حياة الإنسان رخيصة، ولا تجعل الموت في البحر حلا للمشكلات، فالإنسان في الإسلام مأمور بحفظ نفسه والبحث عن الرزق بوسائل مشروعة وآمنة والصبر وطلب الفرج، لا بإلقاء نفسه في طريق يغلب عليه الهلاك.

ومن الخطأ أيضا وصف كل من يقدم على هذه الرحلات بأنه يريد الانتحار، لأن النيات تختلف، وكثير من الشباب لا يقصدون قتل أنفسهم وإنما يبحثون عن مستقبل أفضل ويغلب عليهم الأمل بالنجاة، لكن هذا لا يغير من خطورة الفعل نفسه عندما تكون وسيلة الوصول شديدة الخطورة ويكون احتمال الموت معروفا، ولذلك فالأدق دينيا وإنسانيا أن نقول إن بعض هذه الرحلات قد تتحول إلى تعريض متعمد للنفس لخطر قاتل، وهو أمر نهت عنه الشريعة، من دون إصدار حكم على نيات الأشخاص أو الجزم بأنهم أرادوا الانتحار، فالحكم على الفعل شيء والحكم على نية صاحبه شيء آخر.

إن المأساة الحقيقية لا تبدأ عند البحر فقط، بل تمتد إلى البيوت التي تظل أبوابها مفتوحة وقلوب أهلها معلقة بعودة أبنائهم، أم تنتظر اتصالا، وأب يبحث في المستشفيات ومراكز الشرطة، وأسرة لا تعرف هل تفرح بنجاة ابنها أم تستعد لاستقبال خبر وفاته، ولذلك فإن معالجة الهجرة الخطرة لا ينبغي أن تكون باللوم وحده، وإنما أيضا بالبحث عن الأسباب التي تدفع الشباب إلى المخاطرة، وفتح أبواب العمل والكرامة والأمل أمامهم، وتوفير مسارات قانونية وآمنة للراغبين في الهجرة، حتى لا يصبح البحر مقبرة للأحلام، وحتى لا تضطر أسرة أخرى إلى انتظار ابن غادر بحثا عن حياة أفضل فعاد إليها خبرا محزنا.

فإن الرسالة الدينية واضحة، الحياة أمانة وليست ورقة للمقامرة، والهجرة في حد ذاتها ليست محرمة إذا كانت بوسائل مشروعة وآمنة، لكن تحويل البحر إلى طريق مجهول على متن قارب لا يصلح للإبحار، مع العلم بخطر الغرق والموت، أمر لا ينبغي للمسلم أن يقدم عليه، كما أن الواجب على المجتمع والأسرة وأهل العلم وكل من يستطيع التأثير أن يوجهوا الشباب إلى الخيارات الآمنة والمشروعة، وأن يقولوا لهم إن ضيق اليوم لا يعني نهاية الحياة، وإن باب الرزق قد يضيق لكنه لا ينغلق، وإن البحث عن المستقبل يجب ألا يكون على حساب أغلى ما يملكه الإنسان، وهي حياته.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك