العدل بين الناس والتراحم سبيل قوة المسلمين وحماية الفقراء والمحتاجين

العدل بين الناس والتراحم سبيل قوة المسلمين وحماية الفقراء والمحتاجين
دين / الجمعة 11 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء

جاء الإسلام ليقيم حياة الناس على العدل والرحمة والتكافل، وجعل إنصاف الإنسان وعدم ظلمه من أعظم القيم التي يقوم عليها المجتمع الصالح، فلا فرق في كرامة الإنسان بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، وإنما الميزان هو الحق والعدل والتقوى، وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والبغي والاعتداء على حقوق الآخرين، لأن الظلم حين ينتشر بين الناس يزرع الحقد ويهدم الثقة ويحول المجتمع إلى جماعات متباعدة، بينما العدل يجعل كل إنسان يشعر أن له حقاً مصوناً وكرامة لا يجوز لأحد أن يمسها.

ومن أخطر صور الظلم أن يُترك الفقير والمحتاج يواجه قسوة الحياة وحده، بينما يملك القادرون ما يكفي لمساعدته وتخفيف معاناته، فالإسلام لم ينظر إلى الفقر باعتباره عيباً في صاحبه، وإنما جعل للفقراء والمساكين حقوقاً في أموال الأغنياء، ودعا إلى الصدقة والزكاة والإحسان وإغاثة المحتاج، حتى لا يصبح المال وسيلة للتكبر والاستعلاء، وحتى لا يعيش جزء من المجتمع في وفرة كبيرة بينما يعاني جزء آخر من الجوع والحرمان والعجز عن توفير أبسط ضروريات الحياة.

والتضامن بين المسلمين ليس مجرد عمل تطوعي يقوم به بعض الناس متى أرادوا، بل هو قيمة دينية وأخلاقية واجتماعية راسخة، فالمسلم مطالب بأن يشعر بآلام أخيه وأن يسعى إلى مساعدته بما يستطيع، سواء بالمال أو الطعام أو الدواء أو قضاء الحاجة أو الكلمة الطيبة أو الدفاع عن حقه، وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم بالجسد الواحد، فإذا تألم منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهي صورة عظيمة لمعنى التعاضد والتكافل بين أفراد الأمة.

ويحتاج الفقراء والمحتاجون إلى أكثر من مساعدات عابرة تنتهي بانتهاء المناسبة، فهم بحاجة إلى من يحفظ كرامتهم ويعاملهم باحترام ولا يمن عليهم بما قدمه لهم، كما يحتاجون إلى فرص العمل والتعليم والتكوين والرعاية الصحية والسكن اللائق حتى يتمكنوا من بناء حياة مستقرة والاعتماد على أنفسهم، ولذلك فإن التضامن الحقيقي لا يقتصر على تقديم الصدقات، وإنما يشمل كذلك مساعدة الإنسان على الخروج من الحاجة وتمكينه من أسباب العيش الكريم، لأن أفضل العطاء هو الذي يحفظ للإنسان كرامته ويفتح أمامه باب الاستقلال.

كما أن العدل يبدأ من التعامل اليومي بين الناس، داخل الأسرة والعمل والشارع والأسواق ومختلف المؤسسات، فلا يجوز للقوي أن يستغل ضعف الفقير، ولا لصاحب المال أن يهضم حقوق العامل، ولا للمسؤول أن يستعمل موقعه للإضرار بالناس أو تفضيل فئة على أخرى دون حق، فالظلم قد يكون في المال وقد يكون في الكلام وقد يكون في المعاملة وقد يكون في حرمان الإنسان من حقه، وكل ذلك مسؤولية أمام الله تعالى، لأن حقوق العباد ليست أمراً هيناً ويمكن أن تكون سبباً في الحساب والعقاب إذا لم تُرد إلى أصحابها.

ومن أعظم ما يحتاجه المجتمع المسلم اليوم إعادة إحياء روح الأخوة والتعاضد بعيداً عن الأنانية والمظاهر والمبالغة في الاستهلاك، فحين يحرص كل إنسان على مساعدة جاره وقريبه وزميله والمحتاج من حوله، تتحول قيم الرحمة من شعارات إلى واقع ملموس، ويمكن للمجتمعات أن تنشئ صناديق للتكافل ومبادرات لإطعام المحتاجين ومساعدة المرضى ودعم الأرامل والأيتام وتمكين الشباب من العمل، مع الحرص على أن تصل المساعدة إلى مستحقيها بكرامة وعدل ودون استغلال أو تشهير.

إن قوة المسلمين لا تقاس فقط بما يملكونه من أموال وممتلكات، وإنما تقاس أيضاً بمدى رحمتهم ببعضهم ووقوف بعضهم إلى جانب بعض في أوقات الشدة، فالمجتمع الذي يحمي ضعفاءه ويكرم فقراءه وينصف مظلوميه ويغيث محتاجيه هو مجتمع أقرب إلى روح الإسلام ومقاصده، أما حين يصبح الفقير مهمشاً والمحتاج منسياً والمظلوم بلا نصير، فإن ذلك يكشف خللاً في القيم التي ينبغي أن تجمع الناس، ولذلك فإن العدل والرحمة والتكافل ليست فضائل فردية فحسب، بل مسؤولية جماعية تحفظ للمجتمع تماسكه وللإنسان كرامته وتجعله أكثر قوة واستقراراً.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك