أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
دخلت الأحزاب السياسية والمرشحون، مع انطلاق الحملة الانتخابية يوم أمس الخميس 10 شتنبر الجاري، مرحلة الحسم في سباق الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر، غير أن المنافسة هذه المرة لا تدور فقط حول البرامج والشعارات واستمالة الناخبين، بل تشمل أيضاً ميزانية ضخمة خصصتها الدولة لمواكبة الحملات الانتخابية.
وخصصت الحكومة للانتخابات التشريعية لسنة 2026 غلافاً مالياً يبلغ 400 مليون درهم لفائدة الأحزاب السياسية، إلى جانب 50 مليون درهم إضافية موجهة للوائح التي يقودها مترشحون ومترشحات تقل أعمارهم عن 35 سنة، ما يرفع مجموع الدعم العمومي المخصص للحملات إلى 450 مليون درهم، أي ما يعادل 45 مليار سنتيم.
ويقارن هذا الرقم بشكل لافت مع انتخابات مجلس النواب لسنة 2021، حين لم تتجاوز مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء المجلس 157.66 مليون درهم، وهو ما يعني أن الغلاف المخصص للأحزاب في الاستحقاق الحالي أصبح يفوق بأكثر من مرتين ونصف المستوى المسجل قبل خمس سنوات.
ويفتح هذا الارتفاع الكبير في التمويل العمومي نقاشاً واسعاً حول كلفة المنافسة الانتخابية، خصوصاً في ظل التحولات التي طرأت على أساليب التواصل مع الناخبين، بعدما أصبحت الحملات تعتمد إلى جانب التجمعات واللقاءات المباشرة على شبكات التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي والمواد السمعية البصرية، فضلاً عن مصاريف التنقل والتنظيم والتعبئة الميدانية.
وتمنح هذه الموارد المالية للأحزاب هامشاً أوسع لخوض المنافسة في مختلف الدوائر، غير أن ارتفاع حجم الدعم يضعها في الوقت نفسه أمام مسؤولية أكبر في ما يتعلق بكيفية صرف المال العمومي واحترام الضوابط القانونية المرتبطة بتمويل الحملات الانتخابية.
ويفرض القانون على وكلاء اللوائح والمترشحين المعنيين تقديم حسابات حملاتهم الانتخابية، بما يشمل مصادر التمويل والمصاريف التي تم إنفاقها والوثائق التي تثبتها، وذلك داخل الآجال القانونية المحددة، بما يسمح بإخضاع العملية للرقابة والمحاسبة.
وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة الدور الذي يضطلع به المجلس الأعلى للحسابات في مراقبة مالية الحملات، بعدما سبق له أن تابع حسابات الاستحقاقات الانتخابية السابقة وسجل وجود مبالغ دعم لم يتم تبرير صرفها بالشكل المطلوب، داعياً في حالات محددة إلى إرجاع الأموال إلى الخزينة.
وتبرز أهمية هذه الرقابة أكثر مع كون التمويل الممنوح للأحزاب يأتي من المال العام، وهو ما يجعل الاستفادة منه مرتبطة بضرورة توجيهه إلى الأغراض التي خصص لها، مع تحمل المستفيدين مسؤولية تبرير النفقات وإرجاع المبالغ غير المستحقة أو غير المبررة.
وتطرح بداية الحملة الحالية بالتالي معادلة مزدوجة أمام الأحزاب، تتمثل من جهة في استثمار الإمكانيات المالية والتنظيمية المتاحة للوصول إلى أكبر عدد من الناخبين، ومن جهة أخرى في ضمان تدبير شفاف ومنضبط للأموال التي وضعتها الدولة رهن إشارتها.
وتحذر أصوات متابعة للشأن الانتخابي من اختزال المنافسة في حجم الإنفاق، باعتبار أن الغاية من الدعم العمومي تتمثل أساساً في المساهمة في توفير شروط متوازنة للمنافسة السياسية، وليس تحويل الاستحقاق إلى سباق بين الأحزاب حول من يملك قدرة أكبر على الإنفاق.
وتعيد الحملة الانتخابية كذلك النقاش حول مخاطر استعمال المال للتأثير في اختيارات الناخبين، وهي إشكالية ظلت حاضرة في عدد من الاستحقاقات السابقة، خصوصاً مع ارتفاع قيمة الموارد المالية المتداولة خلال فترة الحملة وتوسع وسائل التأثير على الناخبين.
وتضع الأرقام الجديدة الأحزاب أمام اختبار حقيقي، بعدما أصبح تحت تصرفها غلاف عمومي يبلغ 40 مليار سنتيم، تضاف إليه 5 مليارات سنتيم موجهة لدعم لوائح الشباب، في وقت لا تتجاوز فيه مدة الحملة الانتخابية منتصف ليلة 22 شتنبر، أي ساعات قليلة قبل فتح صناديق الاقتراع.
وتتحول هذه المبالغ، مع انتهاء الحملة، إلى موضوع آخر للرقابة والمساءلة، حيث ستنتقل الأنظار من المنصات الانتخابية والتجمعات واللقاءات الميدانية إلى الحسابات والوثائق والفواتير، لمعرفة مدى احترام قواعد صرف المال العمومي.
ويجعل ذلك من انتخابات 2026 محطة لاختبار ليس فقط قدرة الأحزاب على إقناع الناخبين وتحقيق النتائج، وإنما أيضاً قدرتها على تدبير الموارد العمومية المرتبطة بالحملة وفق القواعد القانونية، حتى لا يتحول الدعم المخصص لتعزيز المنافسة الديمقراطية إلى مصدر جديد للجدل حول المال الانتخابي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك