استقرار البطالة عند 9.5%.. هل بدأ المغرب يتجاوز أزمة الشغل أم أن الأرقام تخفي تحديات أعمق؟

استقرار البطالة عند 9.5%.. هل بدأ المغرب يتجاوز أزمة الشغل أم أن الأرقام تخفي تحديات أعمق؟
تقارير / الأربعاء 05 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:هيئة التحرير

رغم تسجيل معدل البطالة في المغرب استقرارًا عند 9.5% خلال الفصل الثاني من سنة 2026، وفق أحدث المؤشرات الاقتصادية، فإن هذا الرقم لا يعكس بالضرورة تحسنًا جذريًا في واقع سوق الشغل، بقدر ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة فرص العمل المحدثة، وجودتها، وقدرتها على الاستجابة لتطلعات مئات الآلاف من الشباب الباحثين عن الاستقرار المهني. ويرى عدد من الخبراء أن الحفاظ على المعدل نفسه لا يعني تجاوز الأزمة، بل يؤكد استمرار التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها محدودية إحداث مناصب شغل دائمة، واتساع الفجوة بين مخرجات منظومة التعليم ومتطلبات سوق العمل، إضافة إلى استمرار هشاشة عدد من القطاعات التي تشغل نسبة كبيرة من اليد العاملة.

ويؤكد مختصون في الاقتصاد أن سوق الشغل المغربية لا تزال تعاني من اختلالات هيكلية، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات، وصعوبة ولوج النساء إلى سوق العمل، فضلاً عن انتشار العمل غير المهيكل الذي يفتقد إلى الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني.

ورغم الجهود الحكومية الرامية إلى تحفيز الاستثمار وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، فإن خلق فرص الشغل لا يزال يسير بوتيرة أقل من الطلب المتزايد على العمل، خاصة مع دخول آلاف الخريجين الجدد إلى السوق سنويًا، وهو ما يجعل المنافسة أكثر حدة ويؤخر اندماج عدد كبير منهم في الحياة المهنية.

ويشير متابعون إلى أن الظرفية الاقتصادية الدولية، بما تشهده من تباطؤ في النمو وارتفاع في تكاليف الإنتاج واضطرابات في سلاسل التوريد، ألقت بظلالها على الاقتصاد المغربي، ما أثر بدوره على قدرة عدد من المقاولات على التوسع والتوظيف. كما أن توالي سنوات الجفاف ساهم في تقليص فرص الشغل في القطاع الفلاحي، الذي يعد من أكبر المشغلين في المملكة، الأمر الذي دفع أعدادًا من العاملين إلى البحث عن فرص بديلة في المدن أو في قطاعات أخرى، دون أن يجد كثير منهم فرصًا مستقرة تلبي احتياجاتهم.

وفي المقابل، يرى خبراء أن المغرب يمتلك مؤهلات مهمة لتعزيز دينامية التشغيل خلال السنوات المقبلة، بفضل المشاريع الصناعية الكبرى، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات المرتبطة بالبطاريات والهيدروجين الأخضر. كما أن الاستعدادات لاحتضان كأس العالم 2030 تفتح آفاقًا واعدة لإحداث آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة في مجالات البناء، والنقل، والسياحة، والخدمات، غير أن الاستفادة القصوى من هذه المشاريع تظل رهينة بتأهيل الموارد البشرية، وربط التكوين المهني والجامعي بالحاجيات الحقيقية للمقاولات، حتى لا تضطر الشركات إلى استقدام كفاءات من خارج سوق العمل الوطنية.

ويجمع خبراء الاقتصاد على أن خفض البطالة بشكل مستدام لا يتحقق فقط عبر إطلاق مشاريع استثمارية جديدة، وإنما يتطلب إصلاحًا متكاملاً يشمل تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحفيز الاستثمار الخاص، ودعم المقاولات الناشئة، وتوسيع برامج التكوين وإعادة التأهيل المهني، إلى جانب تعزيز الاقتصاد الرقمي والابتكار باعتبارهما من أكبر مصادر خلق فرص الشغل في المستقبل.

كما يشددون على أهمية تطوير السياسات الجهوية للتشغيل، بما يضمن توزيعًا أكثر عدالة للاستثمارات وفرص العمل بين مختلف جهات المملكة، والحد من الفوارق المجالية التي تدفع العديد من الشباب إلى الهجرة الداخلية أو التفكير في الهجرة خارج البلاد.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى استقرار معدل البطالة مؤشرًا يستحق القراءة المتأنية، إذ يعكس من جهة قدرة الاقتصاد المغربي على الحفاظ على توازنه في سياق اقتصادي دولي معقد، لكنه من جهة أخرى يبرز الحاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، حتى يتحول النمو الاقتصادي إلى فرص شغل حقيقية ومستدامة، قادرة على تحسين مستوى عيش المواطنين، وتعزيز الثقة في المستقبل، وتحقيق تنمية شاملة يستفيد منها الجميع.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك