انتخابات مجلس الصحافة بالمغرب تحت المجهر وبلاغ حقوقي يفتح ملف التنظيم والسرية وظروف الاقتراع

انتخابات مجلس الصحافة بالمغرب تحت المجهر وبلاغ حقوقي يفتح ملف التنظيم والسرية وظروف الاقتراع
تقارير / الأربعاء 16 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

أعاد بلاغ صادر عن المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان، عقب انتخابات المجلس الوطني للصحافة التي جرت يوم الثلاثاء 15 شتنبر 2026، فتح النقاش حول طريقة تدبير هذا الاستحقاق المهني، بعدما عبّر المركز عن قلقه مما وصفها باختلالات تنظيمية ولوجستية، معتبراً أن ظروف إجراء عملية الاقتراع تطرح أسئلة تتجاوز مجرد تفاصيل مرتبطة بالتنظيم، لتطال في نظره ضمانات أساسية يفترض أن ترافق أي انتخابات مهنية، وفي مقدمتها سرية التصويت وحرية الناخبين وظروف اشتغال المشرفين على مكاتب الاقتراع.

ويحمل المركز في بلاغه اللجنة الحكومية المؤقتة المكلفة بتدبير انتخابات المجلس الوطني للصحافة المسؤولية عن الاختلالات التي يقول إنه رصدها، موضحاً في الوقت نفسه أن انتقاداته لا تستهدف الأشخاص الذين تولوا مهام الإشراف المباشر على مكاتب التصويت، والذين يقول إنهم أدوا مسؤولياتهم في ظروف صعبة. ويضع هذا التمييز المسؤولية، وفق قراءة المركز، في مستوى التدبير والإعداد والتنظيم المركزي للاستحقاق، وليس في مستوى الموظفين والأطر الذين وجدوا أنفسهم أمام مهمة ميدانية مرتبطة بتنفيذ عملية انتخابية طويلة ومعقدة.

ومن أبرز النقاط التي أثارها البلاغ مسألة سرية الاقتراع، إذ يقول المركز إنه سجل حالات شوهد فيها بعض الناخبين وهم يحملون أوراق التصويت ويدخلون في نقاشات مع أشخاص آخرين يحملون هواتف محمولة قبل التوجه إلى معزل التصويت. وبحسب المركز، فإن هذه الممارسات تثير تساؤلات حول مدى احترام الضوابط المرتبطة بسرية التصويت وحرية الناخب في اختيار مرشحيه بعيداً عن أي تأثير أو تدخل. وهذه النقطة تحديداً تكتسي أهمية خاصة في أي استحقاق انتخابي، لأن سرية الاقتراع لا ترتبط فقط بالإجراء التقني المتمثل في دخول المعزل، وإنما تهدف أساساً إلى حماية إرادة الناخب وضمان عدم تعرض اختياره للكشف أو الضغط.

ويضع البلاغ كذلك الجانب اللوجستي في صلب انتقاداته، متحدثاً عن حالة من الارتباك وسوء التنظيم انعكست، وفق ما أورده المركز، في طوابير انتظار امتدت لساعات في عدد من الحالات، وهو ما يقول إنه أدى إلى تعطيل مصالح صحافيات وصحافيين وتأخيرهم عن التزاماتهم المهنية. ويعتبر المركز أن ممارسة حق انتخابي ومهني يفترض ألا تتحول إلى تجربة شاقة بالنسبة للناخبين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستحقاق يهم الجسم الصحافي نفسه، حيث يفترض، وفق منطوق البلاغ، أن تكون ظروف المشاركة ملائمة ومحترمة للوقت والكرامة المهنية للناخبين.

ويربط المركز بين طول فترات الانتظار وبين غياب فضاءات مجهزة بالشكل الكافي، مشيراً إلى عدم توفير قاعات انتظار تتوفر على الحد الأدنى من الضروريات، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة. كما يتحدث عن مظاهر اكتظاظ وتكدس، ويخص بالذكر مركز الدار البيضاء، حيث يقول إن عدداً كبيراً من الصحافيين والصحافيات وجدوا أنفسهم داخل فضاءات ضيقة وفي ظروف يعتبرها غير ملائمة. وبذلك ينتقل البلاغ من انتقاد آليات التصويت نفسها إلى مساءلة القدرة اللوجستية على استقبال أعداد الناخبين وتدبير تدفقهم بشكل يحول دون الازدحام والانتظار الطويل.

وتبرز في البلاغ أيضاً حالة مكتب التصويت بالرباط، الذي احتضنه المعهد العالي للإعلام والاتصال، حيث يعتبر المركز أن ما جرى هناك يطرح علامات استفهام بشأن مستوى الاستعداد اللوجستي. ومن بين الوقائع التي يسوقها المركز في هذا السياق ضعف الإنارة داخل المكتب، إلى درجة يقول إن المشرفين على العملية اضطروا خلال بعض مراحلها إلى الاستعانة بأضواء هواتفهم المحمولة. ويقدم المركز هذه الواقعة باعتبارها مثالاً على ما يصفه بالارتجال، معتبراً أن توفير الإنارة المناسبة داخل مكتب انتخابي يعد من الشروط الأساسية التي ينبغي أن تكون محسومة قبل انطلاق عملية الاقتراع.

غير أن أكثر جوانب البلاغ حدة يرتبط بظروف عمل الأشخاص الذين أشرفوا على العملية الانتخابية. فالمركز يقول إن المكلفين بالإشراف على مكتب التصويت بالرباط حضروا منذ حوالي الساعة الثامنة صباحاً، وظلوا في موقع العمل إلى ما بعد إغلاق المكتب في حدود الساعة الثامنة والنصف مساءً، مشيراً إلى أن بعضهم لم يغادر إلا بعد ذلك. وبحسب هذه المعطيات، فإن مدة الحضور والعمل امتدت إلى أكثر من 12 ساعة، وقد تتجاوز 15 ساعة بالنسبة لبعض المكلفين، وهي مدة يربطها المركز بغياب ما يعتبره شروطاً أساسية من الماء والغذاء والراحة.

ويشير البلاغ إلى أن إدارة المعهد العالي للإعلام والاتصال تدخلت في نهاية المطاف لتوفير وجبة فطور ووجبة أكل، لكنه يعتبر أن ذلك جاء بعد انتهاء عملية التصويت، ليطرح سؤالاً مباشراً حول كيفية تدبير الموارد البشرية المكلفة بالإشراف على استحقاق وطني يمتد لساعات طويلة. ويستند المركز في انتقاده هنا إلى فكرة مفادها أن جودة العملية الانتخابية لا ترتبط فقط بما يراه الناخب داخل مكتب التصويت، وإنما أيضاً بظروف الأشخاص المكلفين بتدبير العملية، لأن الإرهاق وغياب شروط الراحة قد ينعكسان، من حيث المبدأ، على القدرة على أداء المهام التنظيمية بكفاءة طوال اليوم.

وفي جانب آخر، يوجه المركز انتقادات إلى طريقة التواصل والتعامل مع عدد من الصحافيات والصحافيين خلال عملية الاقتراع، معتبراً أن التواصل مع الجسم الصحافي كان يفترض أن يتم بمزيد من الاحترام والوضوح والتنظيم. ويعكس هذا الجزء من البلاغ رؤية أوسع للمركز لطبيعة الانتخابات المهنية، إذ يرى أن الصحافيين لا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم مجرد أسماء في لوائح الناخبين، وإنما باعتبارهم الفئة المهنية المعنية مباشرة بالاستحقاق، وبالتالي فإن احترام كرامتهم وظروف مشاركتهم ينبغي أن يكون جزءاً من عملية التدبير نفسها.

وبناءً على مجموع هذه الملاحظات، لا يكتفي المركز بتسجيل اختلالات محددة، بل ينتقل إلى إصدار حكم مؤسساتي على تجربة اللجنة الحكومية المؤقتة، إذ يعتبر أنها فشلت في تدبير الاستحقاق الانتخابي. كما يطالبها بتقديم توضيحات للرأي العام المهني بشأن كيفية الإعداد للجانب التنظيمي واللوجستي للانتخابات، وأسباب عدم توفير ما يعتبره الشروط الأساسية للناخبين والمشرفين على مكاتب التصويت.

ويذهب البلاغ أبعد من ذلك حين يربط ما حدث يوم الاقتراع بما يسميه "أزمة التدبير" التي طبعت مرحلة اللجان المؤقتة منذ انتهاء الولاية الطبيعية للمجلس الوطني للصحافة. ومن هذه الزاوية، فإن البلاغ لا يتعامل مع ما يعتبره اختلالات يوم 15 شتنبر باعتبارها حوادث منفصلة، بل يضعها ضمن سياق مؤسساتي أوسع يتعلق بطريقة إدارة قطاع الصحافة خلال فترة اللجان المؤقتة، داعياً إلى فتح نقاش مهني ومؤسساتي حول حصيلة هذه التجربة ومدى قدرتها على ضمان حكامة سليمة ومستقلة وفعالة للقطاع.

وتكشف قراءة البلاغ أن الرسالة الأساسية للمركز تتوزع بين مستويين متداخلين؛ الأول يتعلق بالتفاصيل الميدانية التي يقول إنه رصدها خلال يوم الاقتراع، من طوابير واكتظاظ وظروف انتظار وضعف في التجهيزات وظروف عمل المشرفين، والثاني يتعلق بالسؤال المؤسساتي حول الجهة التي تتحمل مسؤولية التخطيط والإعداد لمثل هذا الاستحقاق. ولذلك فإن انتقاد المركز لا يتوقف عند المطالبة بتحسين ظروف الانتخابات المقبلة، وإنما يتحول إلى دعوة لإعادة تقييم تجربة اللجان المؤقتة برمتها.

وفي المقابل، تظل الملاحظات الواردة في البلاغ، بما فيها ما يتعلق بسرية التصويت وسوء التنظيم وظروف العاملين، مواقف صادرة عن المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان وتحتاج، من الناحية المهنية، إلى وضعها في إطارها الصحيح باعتبارها معطيات وتقييمات الجهة التي أصدرت البلاغ، بينما يظل التحقق المستقل من كل واقعة ومسؤولية كل طرف عنها أمراً منفصلاً عن مضمون البيان. وتبرز هنا أهمية أي توضيحات أو ردود قد تصدر عن اللجنة الحكومية المؤقتة أو الجهات المعنية، خصوصاً بشأن الإجراءات التنظيمية التي سبقت الاقتراع وكيفية تدبير ظروف العمل داخل مكاتب التصويت.

وبهذا المعنى، فإن البلاغ يفتح نقاشاً يتجاوز نتيجة الانتخابات نفسها إلى شروط إجرائها، ويضع أسئلة التنظيم والشفافية وسرية الاقتراع وظروف الناخبين والمشرفين في واجهة النقاش حول مستقبل المجلس الوطني للصحافة. كما أن دعوة المركز إلى تقييم تجربة اللجان المؤقتة تعكس انتقال الجدل من مستوى الملاحظات المرتبطة بيوم انتخابي محدد إلى مستوى أوسع يتعلق بالحكامة المؤسساتية للقطاع، وهو نقاش من شأنه أن يستمر مع ظهور مواقف الأطراف المعنية وتقييمها لعملية الاقتراع ونتائجها.

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك