أزمة سبتة تهز أوروبا من الداخل وتكشف الوجه المظلم لسياسة الهجرة واللجوء

أزمة سبتة تهز أوروبا من الداخل وتكشف الوجه المظلم لسياسة الهجرة واللجوء
تقارير / الثلاثاء 18 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا المغرب:أميمة . م

كشف تقرير فكري وأكاديمي حديث أن أزمة الهجرة المرتبطة بسبتة شكلت اختباراً قاسياً للاتحاد الأوروبي، وأظهرت، بحسب خلاصاته، ضعف التعاون والتضامن بين الدول الأعضاء في مواجهة تدفقات الهجرة، محذراً من أن استمرار السياسات الحالية قد يقود إلى مستقبل أكثر قتامة بالنسبة للمهاجرين وطالبي اللجوء، مع ارتفاع مخاطر الوفاة على الحدود وتراجع الضمانات القانونية والإجرائية التي يفترض أن تحمي الأشخاص الباحثين عن الأمان، خصوصاً في ظل ترك الدول الأوروبية الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد في مواجهة ضغوط متزايدة دون توزيع فعلي وعادل للمسؤوليات.

وأشار التقرير إلى أن عبور نحو 72 ألف شخص من المغرب نحو سبتة شكل واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي شهدتها المنطقة، وجاء في لحظة حساسة بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي كان يسعى إلى اختبار ميثاقه الجديد للهجرة واللجوء، غير أن التطورات الميدانية كشفت، وفق التقرير، عن فجوة كبيرة بين المبادئ التي يتم الإعلان عنها على المستوى الأوروبي وبين طريقة التعامل الفعلية مع الأزمات، حيث برزت الخلافات بين الدول الأعضاء، وظهرت مقاربات وطنية متباينة جعلت التضامن الأوروبي يبدو أقل قوة مما توحي به الاتفاقيات والمؤسسات المشتركة.

وتطرق التقرير إلى التداعيات الإنسانية الخطيرة للأحداث، مشيراً إلى أن محاولات العبور التي وقعت بين 30 و31 يوليوز خلفت أكثر من مئة وفاة وفق تقارير ميدانية، وهو رقم يعكس حجم المأساة التي رافقت الأزمة ويعيد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بسلامة الحدود الأوروبية وطريقة تعامل السلطات مع الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى أراضي الاتحاد، كما حذر التقرير من اختزال أسباب الأزمة في عامل واحد، مؤكداً أن الأحداث جاءت نتيجة تداخل عوامل سياسية وجيوسياسية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب الدور المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة الراغبين في الهجرة وتوجيه تحركاتهم.

كما توقف التقرير عند الوضع التاريخي والقانوني الخاص بسبتة ومليلية، باعتبارهما منطقتين تتمتعان بوضع استثنائي داخل المنظومة الإسبانية والأوروبية، وهو ما يجعل قضايا الدخول والخروج والهجرة واللجوء أكثر تعقيداً من الحالات العادية، خصوصاً في ظل ارتباطهما بنظام شنغن وإجراءات الرقابة الحدودية المشددة، ويرى التقرير أن هذه الخصوصية القانونية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإضعاف حقوق الأشخاص الذين يطلبون الحماية أو إلى وسيلة لتجاوز الضمانات التي ينص عليها القانون الأوروبي والدولي.

ويرى التقرير أن ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي يقوم على مجموعة من الركائز الأساسية، من بينها تسريع إجراءات اللجوء وتعزيز التضامن بين الدول الأعضاء وتطوير الشراكات مع الدول الواقعة خارج الاتحاد، غير أن أزمة سبتة قدمت، بحسب التحليل، صورة مختلفة عن مستوى التضامن الحقيقي، إذ ظهرت الخلافات بين الحكومات الأوروبية بشكل واضح، وتحولت قضية الهجرة إلى ورقة سياسية ودبلوماسية تستخدمها بعض الدول للدفاع عن مصالحها الوطنية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مسؤولية جماعية تحتاج إلى استجابة موحدة.

وفي هذا السياق، انتقد التقرير ما وصفه بالتعامل المتسرع مع عمليات إعادة المهاجرين من سبتة، مشيراً إلى وجود تساؤلات حول مدى تحقق عنصر الطوعية في بعض عمليات العودة، خصوصاً عندما يكون الأشخاص في وضعية هشّة أو لا تتاح لهم فرصة حقيقية لعرض طلباتهم المتعلقة بالحماية واللجوء، كما أثار التقرير مخاوف بشأن نقل عبء الإثبات إلى طالبي اللجوء القادمين من دول مصنفة آمنة، معتبراً أن تسريع إجراءات العودة لا ينبغي أن يتم على حساب الحقوق الأساسية للأشخاص أو حقهم في الحصول على تقييم فردي وعادل لوضعياتهم.

وتظهر أزمة التضامن الأوروبي، وفق التقرير، بشكل أوضح عندما تتعارض المصالح الوطنية للدول الأعضاء مع مبدأ المسؤولية الجماعية، إذ إن الدول التي تتحمل العبء الأكبر بسبب موقعها الجغرافي على الحدود الخارجية للاتحاد تجد نفسها في مواجهة تدفقات بشرية ضخمة، بينما تتردد دول أخرى في تقاسم المسؤولية أو استقبال أعداد إضافية من طالبي اللجوء، وهو ما يضع النظام الأوروبي بأكمله أمام سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة الاتحاد على تطبيق مبدأ التضامن الذي يفترض أن يشكل أساساً لسياساته المشتركة في مجال الهجرة.

ويحذر التقرير كذلك من التوجه المتزايد نحو الاعتماد على دول خارج الاتحاد الأوروبي لاستضافة مراكز العودة أو معالجة ملفات المهاجرين، مع بروز أفكار واتفاقيات مرتبطة بدول مثل رواندا وغانا وأوغندا، ويرى الخبراء الذين استند إليهم التقرير أن هذه المقاربة قد توفر حلولاً مؤقتة لبعض الحكومات التي تواجه ضغوطاً داخلية، لكنها تحمل في المقابل مخاطر سياسية وقانونية وحقوقية كبيرة، خصوصاً عندما تصبح معالجة الهجرة مرتبطة بدول ثالثة قد تتغير مواقفها السياسية أو علاقاتها الدبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي.

ويحذر التحليل من أن تحويل سياسة الهجرة الأوروبية إلى منظومة تعتمد بشكل متزايد على الشركاء الخارجيين قد يجعلها أكثر هشاشة أمام الأزمات السياسية والدبلوماسية، فكل توتر بين الاتحاد الأوروبي ودولة شريكة يمكن أن يتحول إلى أزمة جديدة في مجال الهجرة، كما أن الدول الأوروبية قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات سياسية أو اقتصادية مقابل تعاون تلك الدول في مراقبة الحدود أو استقبال المرحلين، وهو ما يفتح الباب أمام انتقادات واسعة بشأن تحويل ملف إنساني حساس إلى أداة للمساومة السياسية.

ويشير التقرير في خلاصته إلى أن أزمة سبتة لا يمكن فهمها فقط باعتبارها أزمة حدودية أو موجة هجرة استثنائية، بل باعتبارها نتيجة تراكم طويل لخيارات اتخذتها المؤسسات الأوروبية والحكومات الأعضاء في مجال الهجرة واللجوء، إذ يرى أن التركيز المفرط على تشديد الحدود ومنع الوصول إلى أوروبا لم يعالج الأسباب العميقة التي تدفع الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأوروبية، سواء تعلق الأمر بالفقر أو النزاعات أو غياب فرص العمل أو عدم الاستقرار السياسي والأمني في بلدانهم.

ويخلص التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام ضرورة مراجعة شاملة لطريقة تعامله مع الهجرة، لأن استمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى تكرار المآسي نفسها في أزمات مستقبلية، خصوصاً إذا بقيت مسؤولية حماية الحدود موزعة بشكل غير عادل بين الدول الأعضاء، وإذا استمرت حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء في التراجع أمام الاعتبارات الأمنية والسياسية، ولذلك فإن معالجة جذور الهجرة وتوفير مسارات قانونية وآمنة وتعزيز التضامن الأوروبي تبدو، وفق هذا التحليل، شروطاً أساسية لتجنب تكرار أزمة سبتة وتحويل الحدود الأوروبية من فضاء للموت والخوف إلى مجال أكثر احتراماً للإنسان وحقوقه.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك