أنتلجنسيا:أبو جاسر
تتسع دائرة الغضب داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عقب النتائج التي حققها خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، في وقت تتزايد فيه الأصوات المطالبة بفتح نقاش تنظيمي وسياسي عميق حول مستقبل الحزب ومسؤولية قيادته عن النكسة الانتخابية التي أعادت إلى الواجهة أسئلة القيادة والاختيارات التنظيمية والسياسية خلال السنوات الماضية.
وتتصاعد الدعوات داخل عدد من الهيئات والتيارات الاتحادية لعقد مؤتمر استثنائي يعيد ترتيب البيت الداخلي للحزب ويفتح المجال أمام تقييم شامل للمرحلة السابقة، وسط مطالب متزايدة بطي صفحة القيادة الحالية وفسح المجال أمام جيل جديد من الأطر والقيادات لتولي مسؤولية تدبير المرحلة المقبلة.
وتضع هذه التطورات الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، في قلب عاصفة سياسية وتنظيمية غير مسبوقة، بعدما حملته أصوات اتحادية مسؤولية التراجع المسجل في النتائج الانتخابية، معتبرة أن الحزب بات في حاجة إلى مراجعات عميقة تتجاوز التدبير اليومي إلى إعادة بناء المشروع السياسي والتنظيمي برمته.
وجاءت أولى المؤشرات القوية لهذا الحراك الداخلي من خلال الإعلان عن ما وصف بـ"الحركة التصحيحية" التي تقودها فعاليات وقيادات اتحادية، رافعة شعار إنقاذ الحزب وإعادة الاعتبار لمؤسساته وهياكله التنظيمية، ومطالبة بإطلاق مرحلة جديدة تستجيب لتحديات المرحلة وتعيد الثقة إلى القواعد الاتحادية.
وأعقبت هذه المبادرة مواقف صدرت عن عدد من الوجوه والهيئات المحلية، كان أبرزها موقف القيادة المحلية للحزب بمدينة الجديدة، التي وجهت انتقادات مباشرة للقيادة الحالية، معبرة عن رفضها للاستمرار في النهج الذي قاد الحزب إلى النتائج الأخيرة، وفق ما جاء في مواقفها المعلنة.
ولم تتوقف موجة الاعتراض عند حدود الجديدة، بل امتدت إلى مدينة فاس، إحدى القلاع التاريخية للحزب، حيث خرج تيار اتحادي محلي بموقف شديد اللهجة تجاه القيادة المركزية، مطالباً الكاتب الأول بتحمل مسؤوليته السياسية والتنظيمية عما آلت إليه أوضاع الحزب، والدعوة إلى مرحلة جديدة عنوانها تجديد النخب والقيادات.
واعتبرت الأصوات المنتقدة أن ما وقع في الانتخابات الأخيرة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تعثر ظرفي أو نتيجة مرتبطة بسياق انتخابي محدد، بل يعكس، بحسب أصحاب هذه المواقف، أزمة أعمق تتعلق بطريقة تدبير الحزب وعلاقته بقواعده التنظيمية وحضوره داخل المشهد السياسي الوطني.
وتطرح التحركات المتسارعة داخل الاتحاد الاشتراكي تساؤلات متزايدة حول قدرة القيادة الحالية على احتواء هذا الغضب التنظيمي المتنامي، خاصة في ظل اتساع رقعة الانتقادات وظهور مواقف علنية من مدن وجهات مختلفة تدعو إلى مراجعة شاملة للمسار الذي سلكه الحزب خلال السنوات الأخيرة.
وتراقب الأوساط السياسية باهتمام بالغ ما يجري داخل أحد أعرق الأحزاب المغربية، بالنظر إلى المكانة التاريخية التي يحتلها الاتحاد الاشتراكي في الحياة السياسية الوطنية، والدور الذي لعبه لعقود في تأطير النقاش العمومي وصناعة النخب السياسية وتدبير عدد من المحطات المفصلية في تاريخ المغرب المعاصر.
ويبدو أن الحزب مقبل على مرحلة داخلية دقيقة قد تحدد ملامح مستقبله خلال السنوات المقبلة، بين خيار التمسك بالقيادة الحالية والدفاع عن حصيلتها، وخيار آخر تدفع نحوه أصوات متزايدة تطالب بعقد مؤتمر استثنائي وفتح الباب أمام قيادة جديدة قادرة على إعادة بناء المشروع الاتحادي واستعادة الموقع الذي ظل الحزب يحتله لعقود داخل المشهد السياسي المغربي.
وتبقى الأسابيع المقبلة مرشحة لكشف حجم هذا الحراك الداخلي وحدود تأثيره على توازنات الحزب، في ظل استمرار الدعوات إلى التغيير وتصاعد النقاش حول المسؤوليات السياسية والتنظيمية المرتبطة بنتائج الانتخابات الأخيرة، وما إذا كانت ستقود إلى تسوية داخلية أو إلى مواجهة تنظيمية مفتوحة حول مستقبل القيادة والمرحلة المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك