أنتلجنسيا:أبو جاسر
في خضم تصاعد الخطاب الشعبوي والضغوط المتزايدة التي تمارسها الأحزاب اليمينية المتطرفة داخل إسبانيا، عاد ملف تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية إلى واجهة الجدل السياسي، بعدما برزت دعوات متنامية إلى تقليص هذا البرنامج أو إعادة النظر في حضوره داخل عدد من المؤسسات التعليمية الإسبانية، رغم أنه يشكل ثمرة عقود من التعاون الثقافي والتربوي بين الرباط ومدريد ويستند إلى اتفاقيات رسمية قائمة بين البلدين.
ويعتبر برنامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية أحد أبرز أوجه الشراكة الثقافية بين المغرب وإسبانيا، حيث يتم العمل به منذ عقود داخل عدد من المدارس الإسبانية بهدف تمكين أبناء الجالية المغربية من الحفاظ على ارتباطهم اللغوي والثقافي، وتعزيز قيم التعايش والتعدد الثقافي داخل المجتمع الإسباني. كما أن البرنامج يحظى بإطار قانوني وتنظيمي واضح يستند إلى اتفاقيات تعاون ثنائية بين البلدين.
غير أن تنامي نفوذ اليمين المتطرف في المشهد السياسي الإسباني دفع بعض الأطراف إلى استهداف هذا البرنامج باعتباره جزءاً من معركة أيديولوجية أوسع تتجاوز المجال التربوي والثقافي، حيث يتم توظيف ملف الهوية والهجرة لاستقطاب الأصوات الانتخابية وتحقيق مكاسب سياسية ظرفية. وقد شهدت بعض الجهات الإسبانية بالفعل مطالبات بإلغاء البرنامج أو الحد من انتشاره بدعوى الدفاع عن الهوية الوطنية وتعزيز الاندماج، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول مستقبل التعاون الثقافي بين البلدين.
ويرى متابعون أن أي تراجع إسباني عن الالتزامات الموقعة في هذا المجال لن يُقرأ في الرباط باعتباره مجرد قرار تربوي أو إداري، بل سيُنظر إليه باعتباره رسالة سياسية تمس أحد رموز الشراكة الاستراتيجية التي طالما قدمها البلدان كنموذج للتعاون المتوسطي. فالعلاقات المغربية الإسبانية لم تُبنَ فقط على المصالح الاقتصادية والأمنية، بل قامت أيضاً على جسور ثقافية وتعليمية ساهمت في تعزيز التقارب بين المجتمعين.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات متزايدة حول طبيعة الرد الذي قد تلجأ إليه الرباط إذا ما استمرت محاولات التضييق على تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية داخل إسبانيا. ويعتبر عدد من المراقبين أن شبكة المعاهد الثقافية الإسبانية بالمغرب تمثل بدورها أحد أهم أدوات الحضور الثقافي الإسباني خارج حدوده، ما يجعلها ورقة ذات وزن في أي نقاش يتعلق بمبدأ المعاملة بالمثل واحترام التوازن في العلاقات الثنائية.
وبين منطق التعاون الثقافي ومنطق الحسابات الانتخابية الضيقة، تبدو مدريد أمام اختبار حقيقي للحفاظ على روح الاتفاقيات التي جمعت البلدين لعقود. فالتراجع عن برامج ثقافية وتعليمية أثبتت حضورها وفعاليتها لن يؤدي سوى إلى تغذية التوترات وإضعاف جسور الحوار بين الشعبين، في وقت تحتاج فيه الضفة الشمالية والجنوبية للمتوسط إلى مزيد من التقارب والتفاهم، لا إلى فتح جبهات جديدة للصراع حول اللغة والثقافة والهوية.
ومهما كانت المبررات التي ترفعها بعض القوى السياسية الإسبانية، فإن تحويل التعاون الثقافي إلى رهينة للتجاذبات الحزبية يظل خطوة محفوفة بالمخاطر، لأن المساس بأحد أعمدة الشراكة قد يدفع إلى إعادة طرح أسئلة صعبة حول مستقبل التوازن في العلاقات بين الرباط ومدريد، وحول حدود الصبر المغربي تجاه أي إجراءات قد تُفهم على أنها استهداف مباشر للهوية الثقافية لأكبر جالية أجنبية مستقرة بإسبانيا.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك