أنتلجنسيا:لبنى مطرفي(مدريد/إسبانيا)
شهدت إسبانيا، أول أمس الأربعاء 2 شتنبر، سلسلة من الوقفات والتجمعات في عشرات المدن، بالتزامن مع يوم سبتة (Día de Ceuta)، وذلك للتعبير عن التضامن مع مدينة سبتة وسكانها، بعد الأزمة التي اندلعت على الحدود مع المغرب نهاية يوليوز الماضي.
وجاءت هذه التحركات في سياق أزمة هجرة غير مسبوقة بالنسبة إلى المدينة، بعدما دخل أكثر من 70 ألف شخص إلى سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز، قبل أن يعود معظمهم إلى المغرب، فيما بقي آلاف المهاجرين، بينهم قاصرون، داخل المدينة في ظروف صعبة.
لماذا خرج الناس إلى الشارع؟
السبب المعلن للوقفات التي دعت إليها Federación Española de Municipios y Provincias (FEMP) كان التضامن مع سبتة والتأكيد على أنها جزء من الأراضي الإسبانية، إضافة إلى دعم سكانها وقوات الأمن التي تتولى حماية الحدود.
وفي مدينة مورسيا، حملت الوقفة شعار «Murcia con Ceuta»، ونُظمت أمام مبنى البلدية، بينما شهدت كارتاخينا أيضاً تجمعاً للتعبير عن التضامن مع سكان سبتة ورفض ما وصفه منظموه بالدخول الجماعي عبر الحدود.
لكن خلف هذا السبب الرسمي توجد قضية أكبر: كيف تعاملت الحكومة الإسبانية مع أزمة الهجرة؟
فالسكان والمعارضة المحافظة يرون أن الدولة لم تتعامل بسرعة وفعالية كافيتين مع الوضع، ويطالبون بتشديد حماية الحدود، وتسريع إعادة المهاجرين الذين لا يملكون حق البقاء، وتقديم دعم أكبر لسبتة.
كما ظهرت انتقادات مرتبطة بدور المغرب في الأزمة، إذ تحدثت تقارير عن احتمال وجود توجيه أو تسهيل لحركة المهاجرين نحو الحدود. غير أن هذه المسألة بقيت موضع خلاف سياسي، كما نفت وزارة الداخلية وجود بعض التقارير الأمنية التي جرى تداولها بهذا الخصوص.
موقف المؤيدين للوقفات
الأحزاب المحافظة، وعلى رأسها Partido Popular (PP) وVox، دعمت التحركات بقوة.
ويرى المؤيدون أن ما حدث في سبتة تجاوز مجرد قضية هجرة، وأصبح مرتبطاً بأمن الحدود والسيادة الإسبانية. ويطالبون الحكومة المركزية بتوفير مزيد من الموارد للمدينة، وتعزيز حماية الحدود، وتسريع عمليات إعادة من لا يملكون حق الإقامة.
أما رئيس حكومة سبتة Juan Jesús Vivas، المنتمي إلى الحزب الشعبي، فقد طالب بدعم عاجل للمدينة، وبعودة الوضع إلى طبيعته، وبإجراءات واضحة من الحكومة المركزية.
أما Vox فذهب إلى موقف أكثر تشدداً، حيث وصف الأزمة بأنها «غزو»، وربطها مباشرة بما يعتبره فشلاً في سياسة الهجرة والحماية الحدودية. كما دعا الحزب إلى مشاركة واسعة في الوقفات وانتقد بشدة حكومة Pedro Sánchez.
وبالنسبة إلى جزء من المشاركين، فإن القضية لا تتعلق برفض المهاجرين كأفراد، وإنما بضرورة وجود حدود منظمة وقوانين واضحة وقدرة الدولة على التحكم في من يدخل أراضيها.
وماذا يقول المعارضون؟
في المقابل، انتقدت منظمات وأحزاب وجمعيات مدافعة عن حقوق المهاجرين الطريقة التي تحولت بها بعض الوقفات إلى احتجاجات ضد الهجرة وضد الحكومة.
وشهدت بعض المدن، من بينها مدريد وبرشلونة وسانتياغو دي كومبوستيلا، تحركات مضادة تندد بما اعتبرته خطاباً عنصرياً ومعادياً للمهاجرين.
ويرى أصحاب هذا الموقف أن أزمة سبتة يجب أن تُعالج باعتبارها أزمة إنسانية وسياسية، وليس فقط أزمة أمنية. ويطالبون بحماية المهاجرين، خصوصاً القاصرين، واحترام حق طلب اللجوء، ورفض تحميل جميع المهاجرين مسؤولية الأزمة.
كما حذرت أصوات من اليسار ومنظمات الهجرة من أن استغلال الأزمة سياسياً يمكن أن يؤدي إلى انتشار خطاب الكراهية والعنصرية، خصوصاً ضد المهاجرين والمسلمين.
وفي بعض المدن، لم تكن هناك معارضة لدعم سبتة نفسها، وإنما كان الاعتراض على تحويل هذا الدعم إلى منصة سياسية ضد المهاجرين أو ضد حكومة سانشيز. وهذا يفسر لماذا اختارت بعض القوى السياسية المشاركة في فعاليات أخرى تدافع عن حقوق المهاجرين والتعايش.
الحكومة الإسبانية بين اتهامات المعارضة والرد الرسمي
الحكومة المركزية، من جهتها، تواجه ضغطاً سياسياً كبيراً بسبب الأزمة.
المعارضة تتهمها بالتأخر في الاستجابة وعدم حماية سبتة بالشكل الكافي، بينما تؤكد الحكومة أنها لم تتخل عن المدينة وأنها تعمل على توفير الموارد والدعم اللازمين.
الرئيس Pedro Sánchez أعلن عن مساعدات مالية لسبتة، في وقت تتواصل فيه الخلافات حول كيفية التعامل مع المهاجرين الموجودين داخل المدينة، وخاصة القاصرين.
وتزيد المشكلة تعقيداً بسبب الخلاف بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في سبتة حول المسؤوليات والحلول الممكنة.
لماذا أصبحت الوقفات قضية سياسية؟
رغم أن الدعوة الرسمية ركزت على «التضامن مع سبتة»، فإن الحضور السياسي كان واضحاً في عدد من المدن.
ففي بعض التجمعات رُفعت أعلام إسبانيا وسبتة، ورددت شعارات مثل «Ceuta no se vende, se defiende»، بينما تحولت شعارات أخرى إلى انتقادات مباشرة لـPedro Sánchez ومطالب باستقالته.
ولهذا اعتبرت بعض الأصوات أن الوقفات لم تعد مجرد مبادرة تضامنية، بل أصبحت أيضاً وسيلة للمعارضة للضغط على الحكومة بشأن سياسة الهجرة والحدود. وفي المقابل، رأى منظموها ومؤيدوها أن هذا التفسير يقلل من حقيقة الغضب الموجود لدى سكان سبتة.
سبتة بين الأمن والإنسانية
تكشف أحداث 2 شتنبر عن انقسام أعمق داخل المجتمع الإسباني.
فالطرف الأول يضع أمن الحدود والسيادة وقدرة الدولة على التحكم في الهجرة في مقدمة الأولويات، ويعتبر أن ما حدث في سبتة دليل على ضرورة تشديد السياسة الحدودية.
أما الطرف الثاني فيرى أن حماية الحدود لا تتعارض مع حقوق الإنسان، وأن المهاجرين لا ينبغي أن يتحولوا إلى أداة سياسية، خصوصاً أن بينهم أطفالاً وقاصرين وأشخاصاً قد يكونون بحاجة إلى الحماية الدولية.
وبين الموقفين تبقى سبتة في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في إسبانيا: كيف يمكن للدولة أن تحمي حدودها، وتحافظ على أمن سكانها، وفي الوقت نفسه تحترم حقوق الأشخاص الذين يصلون إليها؟
والواضح أن وقفات 2 شتنبر لم تكن مجرد حدث عابر. فقد أصبحت مناسبة اجتمعت فيها مطالب مختلفة: التضامن مع سبتة، المطالبة بأمن الحدود، انتقاد الحكومة، الدفاع عن حقوق المهاجرين، والتحذير من العنصرية وخطاب الكراهية.
وهكذا، تحولت «مظاهرات دعم سبتة» إلى صورة مصغرة للانقسام السياسي والاجتماعي في إسبانيا حول واحدة من أكثر القضايا تعقيداً: الهجرة والحدود والعلاقة مع المغرب وحقوق الإنسان.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك