أنتلجنسيا المغرب:أميمة . م
يمتلك المغرب
واحداً من أهم المجالات البحرية في غرب المتوسط والمحيط الأطلسي، وهو ما يمنحه
ثروة سمكية متنوعة تشمل الأسماك السطحية، والأسماك البيضاء، والرخويات، والقشريات،
وغيرها من الأنواع البحرية ذات القيمة الاقتصادية، وتستفيد البلاد من امتداد ساحلي
طويل وتنوع في النظم البيئية البحرية، فيما تعد مناطق الجنوب الأطلسي من أبرز
مراكز الإنتاج، خصوصاً بالنسبة إلى الأسماك السطحية مثل السردين والماكريل، إلى
جانب الأخطبوط والحبار والقشريات التي تتمتع بقيمة تجارية مرتفعة، وتظهر البيانات
الرسمية أن الصيد الساحلي والتقليدي يظل المكوّن الأكبر من الإنتاج البحري المغربي
من حيث الكميات.
وتتوزع الثروة
السمكية المغربية على أربع مناطق رئيسية للصيد، هي منطقة البحر المتوسط، ومنطقة
الأطلسي الشمالي، ومنطقة الأطلسي الأوسط والجنوبي، ثم منطقة الأطلسي الجنوبي،
وتختلف طبيعة المصطادات من منطقة إلى أخرى بحسب الظروف البحرية وانتشار الأنواع،
وتعد السردين من أهم ركائز الصيد المغربي، بينما تتميز المناطق الجنوبية بوفرة
الأسماك السطحية وبوجود مصايد مهمة للرخويات، وقد حددت منظمة الأغذية والزراعة
للأمم المتحدة مناطق رئيسية لمصايد السردين تمتد من منطقة رأس سبارطيل شمالاً إلى
المناطق الواقعة جنوب رأس بوجدور، مع اختلاف كثافة وانتشار المخزونات بين هذه
المناطق.
وتبرز منطقة
الداخلة باعتبارها واحدة من أقوى مراكز الثروة السمكية في المغرب، خصوصاً من حيث
حجم الكميات المفرغة، فقد سجل ميناء الداخلة في بيانات سنة 2024 نحو 687 ألف طن من
منتجات الصيد الساحلي والتقليدي، متقدماً بفارق كبير على باقي الموانئ، كما تصدر
الميناء نفسه قائمة الموانئ من حيث قيمة الإنتاج بنحو 3.801 مليارات درهم، وهو ما
يعكس الأهمية الاقتصادية الكبيرة للمصايد الجنوبية، إلى جانب تنوع الأنواع البحرية
التي يتم استغلالها في المنطقة، وتأتي العيون أيضاً ضمن أهم المراكز الجنوبية،
بينما يحتل ميناء بوجدور موقعاً مهماً في منظومة الصيد الأطلسية الجنوبية.
وتأتي منطقة
العيون في مقدمة المناطق البحرية ذات النشاط المرتفع، إذ أظهرت المعطيات الرسمية
أن الإنتاج في الموانئ والمواقع التابعة لها بلغ نحو 179 ألف طن في 2024، لتحتل
المرتبة الثانية بعد الداخلة من حيث الكميات المفرغة، كما تمثل المنطقة مركزاً
مهماً لصيد الأسماك السطحية، وخاصة السردين، الذي يرتبط انتشاره بحركة الكتل
السمكية على طول الساحل الأطلسي، وتشير دراسات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن
انتقال الأسماك السطحية جنوباً ساهم تاريخياً في تعزيز أهمية موانئ العيون
وطانطان، اللذين استقبلا نسبة كبيرة من المصطادات الوطنية.
أما أكادير
فتحتل موقعاً استراتيجياً في الخريطة البحرية المغربية، ليس فقط بسبب حجم نشاط
الصيد، ولكن أيضاً بسبب بنيتها التحتية ودورها في استقبال وتثمين منتجات الصيد،
وقد سجلت المنطقة في 2024 نحو 47.6 ألف طن من منتجات الصيد الساحلي والتقليدي،
منها 44.7 ألف طن في ميناء أكادير، كما بلغت قيمة إنتاج الميناء نحو 1.526 مليار
درهم ضمن أبرز الموانئ المغربية من حيث القيمة، فيما يظل أكادير مركزاً مهماً
للصيد في الأطلسي الأوسط، وتغطي أنشطة البحث البحري في المنطقة مصايد الصيد
الساحلي والصيد في أعالي البحار.
وتبرز طانطان
كذلك ضمن أهم مناطق الصيد المغربية، مستفيدة من موقعها على الساحل الأطلسي وقربها
من مناطق غنية بالأسماك السطحية، وقد بلغ إنتاج الصيد في الميناء نحو 75 ألف طن في
2024 وفق بيانات ترتيب الموانئ من حيث الكميات، بينما بلغت قيمة الإنتاج نحو 1.487
مليار درهم في ترتيب الموانئ والمواقع من حيث القيمة، وهو ما يجعل طانطان أحد
المراكز التي تجمع بين الكمية والقيمة، كما لعب الميناء تاريخياً دوراً مهماً في
استقبال المصطادات القادمة من المناطق الجنوبية وتزويد وحدات التصنيع والتعليب
بالمواد الأولية.
ويأتي بوجدور
ضمن المراكز التي تؤكد قوة الساحل الأطلسي الجنوبي، إذ سجل في 2024 نحو 67 ألف طن
من المصطادات الساحلية والتقليدية بحسب ترتيب الموانئ من حيث الكميات، كما بلغت
قيمة الإنتاج نحو 630 مليون درهم، وتستفيد المنطقة من وجود مصايد للأسماك السطحية
المنتشرة في القطاع الجنوبي من الساحل المغربي، حيث تمتد مناطق استغلال السردين
وغيرها من الأنواع البحرية جنوباً على نطاق واسع، وتعتبر هذه المنطقة جزءاً من
المجال الذي يخضع للدراسة والمراقبة العلمية المستمرة بهدف تتبع حالة المخزونات
وتطورها.
وفي وسط
الساحل الأطلسي، تظل آسفي والصويرة من المناطق ذات الحضور القوي في الصيد، فقد
سجلت جهة مراكش آسفي نحو 75.2 ألف طن من منتجات الصيد الساحلي والتقليدي في 2024،
منها أكثر من 50 ألف طن في ميناء آسفي ونحو 23.4 ألف طن في الصويرة، إلا أن طبيعة
الموارد تختلف عن الجنوب، كما أن بعض المصايد تعرضت تاريخياً لضغوط بسبب كثافة
الاستغلال وتغير توزيع الأسماك، وتظهر الدراسات أن المجال الممتد بين آسفي وأكادير
كان من أهم مناطق الصيد سابقاً قبل أن تنتقل نسبة متزايدة من النشاط نحو الجنوب
بسبب تغير وفرة الموارد وتوزيعها.
وتتميز الثروة
السمكية المغربية أيضاً بتنوع كبير في الأنواع، فالسردين يمثل أحد أهم مكونات
الإنتاج من حيث الكمية، إلى جانب الماكريل والأنشوفة والأنواع السطحية الأخرى،
بينما تحتل الرخويات، وعلى رأسها الأخطبوط والحبار، مكانة أكثر أهمية من حيث
القيمة، كما توجد الأسماك البيضاء والقشريات ضمن الموارد ذات القيمة التجارية
المرتفعة، وهو ما يجعل قياس قوة منطقة صيد معينة اعتماداً على عدد الأطنان فقط
أمراً غير كاف، لأن بعض المصطادات ذات القيمة العالية قد تحقق عائداً اقتصادياً
أكبر من كميات ضخمة من الأسماك منخفضة السعر.
وتكشف خريطة
الإنتاج عن تفاوت واضح بين شمال المملكة وجنوبها، فالموانئ الجنوبية أصبحت خلال
العقود الماضية محاور رئيسية للإنتاج، بينما شهدت بعض المناطق الشمالية والوسطى
تراجعاً أو استقراراً نسبياً في بعض المصايد، وتفسر الدراسات العلمية هذا التفاوت
بعوامل مرتبطة بهجرة الأسماك وتغير الظروف البحرية ومستويات الاستغلال، ولذلك
أصبحت موانئ مثل الداخلة والعيون وطانطان وبوجدور ذات أهمية متزايدة في الاقتصاد
البحري المغربي، كما أن وجود البنية التحتية للتفريغ والتصنيع والتبريد والنقل
يساعد على تحويل الوفرة البحرية إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل.
ولا تعني وفرة
الموارد البحرية أن المخزون السمكي غير محدود، فالثروة السمكية تحتاج إلى إدارة
دقيقة للحفاظ على قدرتها على التجدد، وقد أظهرت تقييمات علمية سابقة أن بعض
مخزونات الأسماك السطحية تعرضت لمستويات مرتفعة من الاستغلال، في حين كانت بعض
المخزونات الأخرى أقل استغلالاً، وهو ما يفرض اعتماد سياسات تختلف من منطقة إلى
أخرى ومن نوع إلى آخر، مع مراقبة حجم المصطادات ومواسم التكاثر وحجم الأسماك
والضغط الناتج عن أسطول الصيد، وتكتسب الأبحاث العلمية أهمية كبيرة في هذا المجال
لأنها تساعد على تحديد مستويات الاستغلال التي يمكن استمرارها دون الإضرار
بالمخزون على المدى الطويل.
وتبرز أهمية
الثروة السمكية المغربية في كونها لا ترتبط بالصيد فقط، بل تمتد إلى سلسلة
اقتصادية واسعة تشمل الموانئ، والنقل، والتبريد، والتعليب، وتصنيع المنتجات
البحرية، والتصدير، وتوفير فرص العمل، ولذلك فإن ارتفاع الإنتاج في منطقة معينة
ينعكس على عدد كبير من الأنشطة المرتبطة بها، وتظهر تجربة الموانئ الجنوبية كيف
تحولت مناطق كانت محدودة النشاط الاقتصادي إلى مراكز رئيسية لصناعة الصيد والتصنيع
البحري، بينما يظل أكادير وطنطان من أبرز المراكز التي تجمع بين الصيد والبنية
الصناعية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالقطاع.
وبالنظر إلى
خريطة المصايد المغربية، يمكن القول إن أقوى تركيز للكميات يوجد في الجنوب
الأطلسي، وعلى رأسه الداخلة ثم العيون وطانطان وبوجدور، بينما تبرز أكادير وطنطان
والداخلة بشكل خاص عند النظر إلى القيمة الاقتصادية للإنتاج، في حين تحتفظ آسفي
والصويرة وموانئ الشمال بأهمية كبيرة ضمن الخريطة الوطنية للصيد، وتبقى السردين
والأسماك السطحية العمود الفقري للكميات، بينما تمنح الأخطبوطات والرخويات
والقشريات جزءاً مهماً من القيمة، ما يجعل المغرب أمام ثروة بحرية ضخمة لكنها
تحتاج إلى حماية المخزونات وتنظيم الاستغلال حتى تتحول الوفرة الطبيعية إلى ثروة
اقتصادية مستدامة للأجيال المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك