أنتلجنسيا:أبو ٱلاء
رفعت الحركة من أجل ديمقراطية المناصفة والائتلاف المدني من أجل ميزانية مستجيبة للنوع الاجتماعي سقف التحذير بشأن ما وصفته بمؤشرات مقلقة ترافق التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبرتين أن بعض الممارسات المتداولة في تدبير الترشيحات الخاصة بالدوائر الجهوية تنذر بانحراف خطير يهدد جوهر المناصفة ويحول أحد أهم المكاسب التي انتزعتها الحركة النسائية المغربية إلى آلية خاضعة لمنطق المال والنفوذ.
وفي بيان شديد اللهجة، لم تتعامل الهيئتان مع الجدل الدائر حول اختيار المرشحات باعتباره مجرد خلاف تنظيمي داخلي أو تنافس عابر بين أسماء نسائية داخل الأحزاب، بل اعتبرتاه معركة حقيقية تمس أسس الديمقراطية الداخلية ومبادئ تكافؤ الفرص ونزاهة المشاركة السياسية للنساء. وأكدتا أن ما يروج بشأن اعتماد القدرة المالية وتحمل تكاليف الحملات الانتخابية كعنصر من عناصر المفاضلة بين المرشحات يمثل تهديداً مباشراً للمسار الذي راكمته الحركة النسائية المغربية على امتداد أكثر من أربعة عقود من النضال من أجل المساواة والمناصفة.
البيان ذهب أبعد من ذلك، حين اعتبر أن أخطر ما يمكن أن يصيب مشروع المناصفة هو تحويل الآليات التي أُقرت لتصحيح الاختلالات التاريخية في تمثيلية النساء إلى فضاءات جديدة لإعادة إنتاج الإقصاء والتمييز. فبدل أن تكون الكفاءة والمسار النضالي والالتزام بقضايا المساواة هي المعايير الحاسمة، يصبح المال هو البوابة الفعلية للولوج إلى المؤسسات المنتخبة، وهو ما يعني، بحسب البيان، إفراغ المناصفة من مضمونها وتحويلها إلى واجهة شكلية تخفي وراءها منطق الانتقاء المالي.
وأكدت الحركة والائتلاف رفضهما القاطع لأي توجه يرمي إلى تحويل اللوائح الجهوية إلى امتياز انتخابي لمن تملك القدرة على تمويل حملتها أو توفير الموارد المالية المطلوبة، مشددتين على أن النساء المغربيات لم يناضلن لعقود من أجل انتزاع حقهن في التمثيلية السياسية حتى تتحول المقاعد المخصصة لتعزيز حضورهن إلى مجال للتنافس المالي أو سوق مفتوحة لمن يملك أكثر.
وحذرت الهيئتان من أن ربط الترشح بالإمكانات المادية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، سيؤدي إلى إقصاء واسع لكفاءات نسائية راكمت تجربة مهنية ونضالية داخل المجتمع، من أستاذات وصحافيات ومحاميات وموظفات وفاعلات جمعويات ونقابيات وشابات منخرطات في العمل العام، فقط لأنهن لا يمتلكن الإمكانات المالية نفسها التي تتوفر عليها أخريات. واعتبر البيان أن هذا النوع من الممارسات لا يستهدف النساء وحدهن، بل يضرب في العمق مصداقية العملية الديمقراطية برمتها ويحول المال إلى معيار للتمثيل السياسي بدل الكفاءة والاستحقاق.
ولم يُخف البيان انتقاده لما وصفه بمحاولات اختزال الأحزاب السياسية في مجرد آليات لتوزيع التزكيات والمواقع الانتخابية، مذكراً بأن الأحزاب مؤسسات دستورية يفترض أن تؤطر المواطنات والمواطنين وتؤمن شروط المشاركة الديمقراطية السليمة وتساهم في التعبير عن الإرادة الشعبية، لا أن تتحول إلى فضاءات تتحكم فيها اعتبارات النفوذ والقدرة المالية.
واعتبرت الهيئتان أن مسؤولية الأحزاب في تعزيز تمثيلية النساء لا تتوقف عند وضع أسماء نسائية على اللوائح الانتخابية، بل تقتضي احترام مبادئ الشفافية والديمقراطية وتكافؤ الفرص في اختيار المرشحات، وضمان استقلال القرار الحزبي عن تأثيرات المال والمصالح والعلاقات الزبونية، مع توفير المواكبة والدعم للنساء اللواتي لم يحالفهن الحظ في الحصول على التزكية.
وفي واحدة من أقوى رسائل البيان، حذرت الحركة من أجل ديمقراطية المناصفة والائتلاف المدني من أجل ميزانية مستجيبة للنوع الاجتماعي من أن الصمت تجاه أي ممارسة تجعل المال والعلاقات الشخصية معياراً للمفاضلة السياسية قد يؤدي إلى تحويل آليات التمييز الإيجابي من وسيلة لتحقيق العدالة والمساواة إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية نفسها التي يفترض أن تحاربها.
وأكدت الهيئتان أن اللوائح الجهوية ليست ملكاً للأحزاب أو لقياداتها، بل هي آلية ديمقراطية مرتبطة بهدف دستوري يتمثل في توسيع المشاركة السياسية للنساء وتحقيق المناصفة، وهو ما يجعل طريقة تدبيرها قضية ذات بعد وطني وديمقراطي تتجاوز حدود الشأن الحزبي الداخلي كلما تعلق الأمر بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ونزاهة التمثيل السياسي.
وختم البيان بدعوة صريحة إلى القوى الديمقراطية والحقوقية والنسائية ووسائل الإعلام من أجل التصدي لما وصفه بمحاولات تسليع المشاركة السياسية للنساء، ورفض التعامل معها كخلافات حزبية عابرة. فالسؤال المطروح اليوم، بحسب الموقعين على البيان، لا يتعلق فقط بأسماء المرشحات أو ترتيبهن داخل اللوائح، بل بطبيعة النموذج الديمقراطي الذي يريده المغاربة: هل هو نموذج يفتح أبواب المؤسسات أمام الكفاءة والمشروعية المجتمعية والنضال، أم نموذج يصبح فيه الطريق إلى التمثيل السياسي معبداً بالمال والنفوذ؟
وبنبرة تحذيرية قوية، شددت الحركة من أجل ديمقراطية المناصفة والائتلاف المدني من أجل ميزانية مستجيبة للنوع الاجتماعي على أن النساء المغربيات لم يخضن عقوداً من النضال ضد الإقصاء السياسي حتى يجدن أنفسهن اليوم أمام شكل جديد من الإقصاء أكثر قسوة، عنوانه المال، مؤكدة أن المناضلات داخل الأحزاب لا يمكن أن يتحولن إلى مجرد واجهات انتخابية أو خزانات للأصوات يتم استدعاؤها عند الحاجة ثم تهميشها عندما يحين موعد اتخاذ القرار.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك