أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
استنفرت
توجيهات جديدة صادرة عن المصالح المركزية بوزارة الداخلية الولاة والعمال بمختلف
عمالات وأقاليم المملكة، في خطوة تروم تعزيز الحضور الميداني للسلطات الترابية
وتشديد مراقبة المشاريع والأوراش العمومية، حيث بدأت هذه الدينامية بشكل خاص بجهتي
الدار البيضاء سطات والرباط سلا القنيطرة، بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات
التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر الجاري، وسط دعوات إلى تسريع وتيرة إنجاز
المشاريع والوقوف ميدانياً على أسباب تعثر عدد منها.
وتدفع
التعليمات الجديدة المسؤولين الترابيين إلى تكثيف الزيارات الميدانية إلى مواقع
المشاريع العمومية، وعدم الاكتفاء بالمعطيات التي ترد في التقارير الإدارية
والتقنية، وذلك بهدف معاينة حقيقة الوضع على الأرض ومقارنة نسب تقدم الأشغال
بالآجال المحددة والاعتمادات المالية التي تم رصدها لكل مشروع، خصوصاً بالنسبة إلى
المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والتجهيزات التي يفترض أن يكون لها أثر مباشر
على الحياة اليومية للسكان.
وتشمل
المعاينات المرتقبة منشآت وأوراشاً لم تستكمل أشغالها رغم توفر الاعتمادات المالية
اللازمة، إضافة إلى مشاريع انتهت إجراءاتها الإدارية منذ مدة، لكن تنفيذها عرف
تأخراً ملحوظاً، وهو ما دفع المصالح المركزية إلى مطالبة الولاة والعمال بتحديد
الوضعية الحقيقية لكل مشروع، والانتقال من مرحلة رصد التأخر في التقارير إلى تشخيص
أسبابه بشكل مباشر وربط المسؤوليات بمراحل الإنجاز المختلفة.
وتولي
التعليمات أهمية خاصة للمشاريع الموجودة في أقاليم وضواحي المدن الكبرى، وفي
مقدمتها الدار البيضاء، حيث تعرف بعض المناطق ضغطاً متزايداً على البنية التحتية
والتجهيزات والخدمات الأساسية، ما يجعل تأخر المشاريع المرتبطة بالنقل والطرق
والمرافق العمومية وغيرها من الأوراش موضوعاً حساساً بالنسبة إلى السكان والفاعلين
المحليين، خصوصاً عندما تكون هذه المشاريع قد استفادت من التمويل والاعتمادات
اللازمة دون أن تنعكس تلك الموارد في آجال معقولة على أرض الواقع.
وتقوم
المقاربة الجديدة على التدقيق في نسب تقدم الأشغال ومقارنتها بالبرمجة الزمنية
المعتمدة، مع فحص الاعتمادات المالية التي تم تخصيصها ومدى ارتباطها بمراحل
التنفيذ الفعلية، وذلك بهدف الكشف عن الحالات التي لا تتناسب فيها الأموال
المرصودة مع مستوى الإنجاز، وتحديد ما إذا كان سبب التأخر تقنياً أو مالياً أو
إدارياً، أو ناتجاً عن خلافات بين مختلف المتدخلين في المشروع، سواء تعلق الأمر
بالجماعات الترابية أو المصالح الخارجية أو المؤسسات العمومية أو الشركات
والمقاولات المكلفة بالأشغال.
كما يرتقب أن
تحظى المشاريع التي سبق أن كانت موضوع شكايات متكررة من المواطنين باهتمام خاص
خلال هذه الجولات، إذ سيجري إخضاعها لمعاينات مباشرة للتأكد من طبيعة الاختلالات
التي أثارها السكان، ومدى احترام الأشغال المنجزة للمعايير المحددة في دفاتر
التحملات، إلى جانب التحقق من جودة الإنجاز ومدى احترام الآجال التي سبق الإعلان
عنها، بما يسمح بتحويل شكايات المواطنين إلى معطيات ميدانية قابلة للتحقق والتقييم.
ولا تقتصر التوجيهات
على المشاريع التي تعرف تأخراً نسبياً، بل تمتد كذلك إلى الأوراش المتوقفة بشكل
كامل، حيث يتعين على المسؤولين الترابيين الوقوف على الأسباب الحقيقية التي حالت
دون مواصلة الأشغال، والاستماع إلى مختلف المتدخلين، والحصول على معطيات دقيقة
بشأن الوضعية التقنية والإدارية والمالية لكل ورش، قبل تحديد الحلول التي يمكن
اعتمادها لإعادة إطلاق المشاريع المتوقفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمرافق وخدمات
لها ارتباط مباشر بالمواطنين.
وتعكس هذه
الدينامية توجهاً نحو تعزيز آليات التتبع والمراقبة الميدانية للمشاريع العمومية،
في وقت أصبح فيه تدبير الأوراش من الملفات التي تحظى باهتمام متزايد على المستوى
الترابي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بمستوى الخدمات المقدمة للسكان وبمدى نجاعة
الإنفاق العمومي، حيث إن المشروع لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات التي خصصت له، وإنما
أيضاً بسرعة تنفيذه وجودة الأشغال ومدى تحقيق الأهداف التي برمج من أجلها.
وتأتي هذه
التحركات في سياق سياسي حساس مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر،
وهو ما يجعل المشاريع العمومية والأوراش المتعثرة محط اهتمام سياسي وانتخابي
متزايد، خصوصاً خلال فترة الحملات الانتخابية، حيث يمكن أن تتحول المشاريع غير
المكتملة أو المتأخرة إلى موضوع للنقاش والانتقاد بين مختلف المتنافسين، في الوقت
الذي تسعى فيه السلطات الترابية إلى ضمان استمرار إنجاز المشاريع المبرمجة
والممولة وعدم بقائها لسنوات في وضعية انتظار.
ويُنتظر أن
تفرز الجولات الميدانية تقارير أكثر تفصيلاً حول وضعية المشاريع والأوراش التي
ستخضع للمعاينة، تتضمن نسب تقدم الأشغال، والآجال التي كان يفترض احترامها، وحجم
الاعتمادات المرصودة، إضافة إلى أسباب التأخر أو التوقف والمسؤوليات المرتبطة بكل
مرحلة من مراحل التنفيذ، مع اقتراح إجراءات عملية لتجاوز العراقيل وتسريع المشاريع
التي يمكن استكمالها في آجال قصيرة.
ومن المنتظر
أيضاً أن تعمل السلطات الترابية على ترتيب المشاريع بحسب درجة استعجالها وطبيعة
الصعوبات التي تواجهها، بحيث يتم التركيز بشكل أولي على الأوراش التي يمكن إنهاؤها
بسرعة، مقابل الملفات التي تحتاج إلى حلول تقنية أو مالية أو إدارية قبل استئناف
الأشغال، وهو ما قد يسمح بوضع خريطة دقيقة للمشاريع المتعثرة وتحديد الأولويات بدل
التعامل معها بطريقة موحدة رغم اختلاف أسباب ومراحل تعثرها.
ويعني هذا
التوجه أن الولاة والعمال سيجدون أنفسهم أمام مهمة تتجاوز التتبع الإداري التقليدي
إلى الحضور المباشر في مواقع الأشغال، ومقابلة المسؤولين عن تنفيذ المشاريع،
ومعاينة العراقيل بأنفسهم، ثم رفع خلاصات دقيقة إلى المصالح المركزية، بما يعزز
المسؤولية الترابية عن متابعة المشاريع العمومية ويربط التقييم الإداري بالنتائج
المحققة على أرض الواقع.
وتبرز أهمية
هذه المقاربة أيضاً في ظل تزايد مطالب المواطنين بتسريع المشاريع وتحسين جودة
الخدمات والمرافق العمومية، إذ إن استمرار الأوراش لفترات طويلة أو توقفها بعد
انطلاقها يمكن أن يخلق حالة من الاستياء، خصوصاً عندما تكون المشاريع مرتبطة بطرق
أو مرافق صحية أو تعليمية أو خدماتية أو تجهيزات أساسية يحتاج إليها السكان بشكل
يومي.
كما أن
التدقيق في أسباب التعثر قد يكشف عن اختلالات مختلفة لا ترتبط دائماً بالتمويل،
فقد تكون بعض المشاريع أمام عراقيل تقنية أو صعوبات مرتبطة بالعقار أو بالتراخيص
أو بتنسيق المتدخلين، بينما قد تواجه مشاريع أخرى مشاكل في تنفيذ الصفقات أو في
احترام الالتزامات التعاقدية، وهو ما يجعل التشخيص الميداني عاملاً أساسياً في
تحديد طبيعة الحل المناسب لكل حالة.
وتأتي هذه
التوجيهات في امتداد توجه إداري سبق أن ركز في مناسبات مختلفة على ضرورة تعزيز
التتبع الميداني للمشاريع التنموية ومراقبة مدى تقدمها، حيث شهدت عدة أقاليم خلال
السنة الحالية اجتماعات وعمليات تتبع للمشاريع التنموية مع التأكيد على تشخيص
الصعوبات والعراقيل واقتراح حلول عملية لتسريع وتيرة الإنجاز، ما يعكس أهمية
متزايدة لمنطق القرب والمراقبة المباشرة في تدبير الأوراش الترابية.
وفي المحصلة،
تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة السلطات الترابية على تحويل المعطيات
والتقارير الإدارية إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، خصوصاً أن الرهان لا يتعلق
فقط بإحصاء المشاريع المتعثرة، وإنما بتحديد أسباب تعثرها والمسؤوليات المرتبطة
بها ووضع حلول قابلة للتنفيذ، بما يسمح بتسريع إنجاز المشاريع التي تنتظرها
الساكنة وإنهاء الأوراش التي طال أمدها.
ومع اقتراب
الاستحقاق التشريعي، يكتسب هذا الحضور الميداني للولاة والعمال أهمية إضافية، إذ
ستكون المشاريع العمومية تحت أنظار المواطنين والفاعلين السياسيين خلال المرحلة
الانتخابية، ما يجعل تسريع الإنجاز وتحسين جودة المرافق والخدمات من الملفات التي
ستؤثر في تقييم الأداء المحلي والعمومي، في وقت تراهن فيه الإدارة الترابية على أن
يؤدي التشخيص المباشر إلى معالجة الاختلالات قبل تحولها إلى ملفات أكثر تعقيداً.
وبذلك ترسم
التوجيهات الجديدة مساراً يقوم على الانتقال من مراقبة الأوراش عبر الوثائق
والتقارير إلى معاينتها ميدانياً، ومن تسجيل التأخر إلى البحث عن أسبابه وتحديد
المسؤوليات، ومن رصد المشاريع المتوقفة إلى البحث عن الوسائل الكفيلة بإعادة
إطلاقها، في محاولة لجعل المشاريع العمومية أكثر ارتباطاً بالنتائج الفعلية
وبانتظارات المواطنين، بالتزامن مع مرحلة انتخابية دقيقة تشهدها المملكة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك