بقلم:محمد عزلي
أصدر مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث النسخة الرابعة من “تقرير الحالة الدينية في المغرب”، وهو مؤلف جماعي يقع في 403 صفحات، ويضم إحدى عشرة دراسة ترصد أداء أبرز المؤسسات والفاعلين في الحقل الديني المغربي، خلال الفترة الممتدة من يناير 2020 إلى دجنبر 2023.،
ولا يقدم التقرير استطلاعا ميدانيا لقياس درجة تدين المغاربة أو مواقفهم من الدين، وإنما يقوم على رصد الأنشطة والوقائع والوثائق والتصريحات التي صدرت عن المؤسسات الرسمية والزوايا والطرق الصوفية والحركات الإسلامية وبقية الفاعلين، ثم إخضاع هذه المادة للقراءة والتحليل.
وينطلق معدو التقرير من أسئلة تتصل بملامح التدين السائدة في المجتمع المغربي، والتغيرات التي طرأت على علاقة المغاربة بالدين، وأثر العولمة ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في أنماط التدين، إضافة إلى التحديات العقدية والمذهبية والإيديولوجية التي تواجه الحقل الديني، وموقع الدين في سياسات الدولة وأداء المؤسسات المكلفة بتدبيره.
ويفتتح الإصدار بدراسة للباحث “محمد عزلي” بعنوان “إمارة المؤمنين دعامة للأمن الروحي، محليا وإقليميا ودوليا”، يتتبع فيها أنشطة المؤسسة بين 2021 و2023، وأدوارها في تأطير الشأن الديني ورعاية الأقليات الدينية، إلى جانب إشعاعها داخل عدد من البلدان الإفريقية.
وتتوقف الدراسة عند المؤسسات والمبادرات التي أحدثت في مجال تدبير الشأن الديني، ومن بينها المجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ومؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف.
ويتناول الباحث “ياسين بوشوار” في دراسة ثانية منجزات المؤسسات الدينية الرسمية بين 2021 و2023، من خلال تتبع أداء وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء وجامعة القرويين ودار الحديث الحسنية وجامع القرويين ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات.
وتعرض الدراسة طريقة تدبير الانتقال من إغلاق المساجد والمؤسسات الدينية خلال جائحة كورونا إلى إعادة فتحها، إضافة إلى العمل المنجز في مجالات التعليم العتيق ومحو الأمية وتأهيل القيمين الدينيين والتكوين والتعاون والتواصل المؤسساتي.
ويسجل التقرير أن هذه المؤسسات بذلت جهدا ملحوظا خلال فترة الرصد، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى استمرار تحديات تتعلق باستكمال هيكلة الحقل الديني وتأهيل الموارد البشرية والإمكانات اللوجستية والتواصلية، فضلا عن تفاوت الحضور الإعلامي والرقمي وضعف تحيين بعض البيانات.
وفي فصل أعدته الباحثة “سهام أبعير”، يرصد التقرير أداء الزوايا والطرق الصوفية بين 2020 و2023، ويبرز تأثير جائحة كورونا في انتقال جانب من أنشطتها إلى الفضاء الرقمي، بعدما أصبحت الدروس والأذكار والبيانات والندوات تصل إلى المريدين عبر المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتخلص الدراسة إلى أن اهتمامات الزوايا لم تعد محصورة في التربية الروحية والسلوك، إذ امتدت إلى قضايا التسامح والسلم ومواجهة التطرف والتنمية الاجتماعية وتثمين التراث والدفاع عن الوحدة الترابية، مع استمرار حضور الطرق الصوفية في الدبلوماسية الروحية المغربية داخل القارة الإفريقية.
ويحظى ملف الإرهاب والتطرف العنيف بمساحة واسعة من الإصدار، إذ يقدم “محمد الزهراوي” دراسة في تطور الظاهرة الإرهابية والمقاربة الأمنية المغربية بين 2003 و2023، متوقفا عند المقاربة الاستباقية وتجفيف منابع التمويل وتقوية التعاون الأمني الدولي.
ويتناول “عبد الله الشرقاوي” التطرف العنيف من زاوية المتابعات القانونية والحقوقية، بينما ترصد “سمية سعفان” جهود المغرب الوطنية والإقليمية والدولية في مواجهة الإرهاب بين 2020 و2023، بما يشمل التنسيق الاستخباراتي وتفكيك الخلايا وتأهيل المعتقلين ومواكبتهم.
ويخصص “يوسف شريف الميموني” دراسة للمواجهة الفكرية المغربية للتطرف باسم الدين، يتتبع فيها تفاعل المفكرين والباحثين مع اعتداءات 16 ماي 2003 وأدبيات الجماعات المتطرفة، ويسجل وجود إنتاج وفير من المقالات والكتب، مقابل محدودية الأعمال البحثية العميقة مقارنة بحجم الظاهرة وتعقيداتها.
ويمتد الرصد إلى مغاربة الخارج من خلال دراسة لـ”رشيد إيهوم” تتناول المستجدات الدينية التي عرفتها الجالية بين 2020 و2023، وما يرتبط بها من قضايا المساجد والتأطير الديني والهوية والاندماج والتحولات التي تواجه النموذج الديني المغربي داخل المجتمعات الأوروبية.
كما يتابع “عبد السلام كوراحي” أداء حركة التوحيد والإصلاح بعد التراجع الانتخابي لحزب العدالة والتنمية سنة 2021، وما أعقبه من نقاش داخلي حول المراجعة والإصلاح والعلاقة بين العملين الدعوي والسياسي، إضافة إلى المخطط الاستراتيجي الذي اعتمدته الحركة للسنوات المقبلة.
ويتناول “عبد الرحمان الأشعاري” في فصل بعنوان “جامعة العدل والإحسان: مخاض المراجعات” الوثيقة السياسية التي قدمتها الجماعة، والسياقات التي أحاطت بإصدارها، والقراءات المتباينة لمضامينها وإمكان انتقال الجماعة نحو المشاركة السياسية.
ويستحضر هذا الفصل دراستين للباحث “محمد زاوي”، تناولت الأولى سياقات إصدار الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان، فيما ناقشت الثانية ما وصفه الباحث بالحدود المعرفية للوثيقة، خاصة في ما يتعلق بالدولة المدنية والملكية وإمارة المؤمنين والخلافة والعلاقة بين الدعوي والسياسي.
ويرى الفصل أن الوثيقة تمثل مؤشرا على مراجعات تدريجية داخل الجماعة، في سياق محلي وإقليمي تراجعت فيه شعبية الحركات الإسلامية، مع بقاء أسئلة معلقة حول طبيعة مشاركتها المحتملة وحدود تحولها من جماعة دعوية معارضة إلى فاعل سياسي يعمل داخل المؤسسات.
ويختتم الإصدار بدراسة للباحثة لمياء العمراني حول النخب اليهودية في التاريخ المغربي، تتناول جذور الوجود اليهودي في المغرب وتحولات العلاقة بين المسلمين واليهود، والأدوار السياسية والاقتصادية التي أدتها شخصيات يهودية في مراحل تاريخية مختلفة.
وتنبع أهمية التقرير من جمعه مادة واسعة كانت موزعة بين تقارير المؤسسات والبلاغات الرسمية والدراسات الأكاديمية والمقالات الصحافية، ووضعه المؤسسات الرسمية والزوايا والحركات الإسلامية وقضايا التطرف وتدين الجالية والتاريخ اليهودي ضمن صورة مركبة للحقل الديني المغربي.
وتبقى خلاصات الإصدار مرتبطة بطبيعة المنهج والمصادر المعتمدة، فهو يقدم رصدا توثيقيا وتحليليا لأداء الفاعلين والمواقف المعلنة، ولا يدعي تقديم قياس نهائي لتدين المجتمع، لكنه يوفر مادة مرجعية تساعد الباحثين والصحافيين والمهتمين على فهم التحولات التي عرفها الشأن الديني خلال سنوات اتسمت بالجائحة وتسارع الرقمنة وتجدد النقاش حول وظائف المؤسسات الدينية وقدرتها على مواكبة مجتمع يتغير..
أشرف على تنسيق العمل رئيس مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث، الباحث المغربي منتصر حمادة، المتخصص في الشأن الديني والحركات الإسلامية، والذي سبق أن تولى رئاسة تحرير مجلة “أفكار”، وصدرت له عدة مؤلفات، من بينها “في نقد خطاب 11 سبتمبر”، و”الإسلاميون المغاربة واللعبة السياسية”، و”نحن والتصوف”، و”المسلمون وسؤال تنظيم القاعدة”، و”المسلمون والإسلاموية في فرنسا”، و”الإرث الصوفي التجاني”..
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك