الغيرة والحسد نار في القلوب حرمها الله وحذر من عاقبة الحاسدين والنمامين

الغيرة والحسد نار في القلوب حرمها الله وحذر من عاقبة الحاسدين والنمامين
دين / الجمعة 09 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: هيئة التحرير

الحمد لله الذي أمر عباده بتطهير القلوب وحسن الأخلاق، ونهى عن الظلم والبغضاء والعدوان، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق، أما بعد، فإن من أخطر أمراض القلوب الحسد والغيرة المذمومة، حين يتمنى الإنسان زوال النعمة عن غيره أو يتألم لخير أصابه، فيتحول ما في القلب إلى كلام وتصرفات تؤذي الناس وتفسد العلاقات، وقد حذر القرآن الكريم من هذا المرض حين قال الله تعالى في سورة الفلق «ومن شر حاسد إذا حسد».

والحسد ليس مجرد شعور عابر، بل قد يدفع صاحبه إلى الاعتراض على قضاء الله ونعمته، لأن الحاسد يرى نعمة غيره ويتمنى زوالها بدلاً من أن يسأل الله من فضله، وقد قال سبحانه «أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله»، فالمؤمن يعلم أن الأرزاق والنعم بيد الله وحده، وأن اختلاف الناس في المال والصحة والنجاح والمكانة جزء من ابتلاء هذه الحياة، ولذلك يرضى بما قسم الله ويسأله من فضله دون أن يتمنى زوال نعمة أخيه.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسد لما يسببه من فساد بين الناس، فقال «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا»، فالحسد يزرع الكراهية في النفوس ويفتح أبواب الخصومة والقطيعة، وقد يبدأ بنظرة أو كلمة أو مقارنة، ثم يتحول إلى تشويه للآخرين والفرح بمصائبهم والتقليل من نجاحاتهم، ولذلك كان علاج القلب قبل أن يتحول المرض إلى أذى يصل إلى الناس.

ومن أخطر ما يتصل بالحسد النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس على وجه يفسد العلاقات ويوقع العداوة بينهم، وقد جاء الوعيد الشديد في السنة بحق النمام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة قتات»، والقتات هو النمام، وفي الحديث الآخر «مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة»، وهذا يدل على خطورة الكلمة التي ينقلها الإنسان دون خوف من الله.

أيها المسلمون، إن الحاسد والنمام قد لا يدركان حجم الخراب الذي تسببه ألسنتهما وقلوبهما، فكلمة واحدة قد تفرق بين زوجين، أو تقطع صداقة، أو تفسد علاقة بين الأقارب، أو تشعل خصومة بين الجيران والزملاء، ولذلك قال الله تعالى «ولا يغتب بعضكم بعضا»، وقال سبحانه «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد»، فكل كلمة محسوبة، وكل نقل للكلام أمانة ومسؤولية، والمؤمن العاقل لا يجعل لسانه وسيلة لإيذاء عباد الله.

وعاقبة الحسد والنميمة لا تقف عند إفساد حياة الآخرين، بل تعود على صاحبها بالقلق وضيق الصدر وفقدان راحة القلب، فالحاسد يعيش منشغلاً بما عند الناس، يقارن نفسه بهم ويبحث عن عيوبهم، بينما ينسى نعم الله عليه، أما النمام فيفقد ثقة الناس ومحبتهم، لأن من اعتاد نقل الكلام لا يأمنه الناس حتى لو ابتسم لهم وأظهر المحبة، وهكذا يخسر الإنسان راحته وعلاقاته بسبب مرض كان يستطيع علاجه بالتوبة ومراقبة الله.

ولذلك فإن علاج الحسد يبدأ بتقوى الله والرضا بقضائه، وأن يدعو المسلم لأخيه بالبركة بدلاً من تمني زوال النعمة عنه، وأن يتذكر أن نعم الدنيا ليست معياراً نهائياً للفضل عند الله، وقد أرشد القرآن إلى ذلك بقوله تعالى «ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض واسألوا الله من فضله»، فإذا رأى المسلم نعمة عند غيره فليقل «اللهم بارك له» وليسأل الله من فضله، وبذلك يتحول القلب من الحسد إلى المحبة ومن المقارنة إلى الرضا.

كما أن على المسلم أن يحفظ لسانه من النميمة والغيبة ونقل الكلام، فإذا سمع حديثاً يسيء إلى شخص فلا يكون رسولاً للفتنة بين الناس، بل يسعى إلى الإصلاح إن استطاع، وقد قال الله تعالى «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم»، ومن أعظم الأخلاق أن تستر عيب أخيك، وأن تنصحه في غيابه كما تنصحه في حضوره، وأن تعلم أن نقل الكلام ليس شجاعة ولا فطنة، بل قد يكون سبباً في إثم عظيم وقطيعة لا تنتهي.

فاتقوا الله عباد الله، وطهروا قلوبكم من الحسد والبغضاء، واحفظوا ألسنتكم من النميمة والغيبة والفتنة، واعلموا أن الدنيا قصيرة وأن ما عند الله خير وأبقى، فمن وجد في قلبه حسداً فليستعذ بالله وليدعو لمن حسده بالخير، ومن وقع في النميمة فليتب إلى الله وليكف عن نقل الكلام وليصلح ما أفسده، ولنجعل بيوتنا ومجالسنا أماكن للمحبة والإصلاح لا للخصومة والفتنة، اللهم طهر قلوبنا من الحسد، واحفظ ألسنتنا من الكذب والنميمة، وأصلح ذات بيننا، واغفر لنا وللمسلمين أجمعين.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك