بين سوء الظن والتثبت.. ميزان الأخلاق في الحكم على الناس

بين سوء الظن والتثبت.. ميزان الأخلاق في الحكم على الناس
دين / الجمعة 02 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:أبو دعاء

يعيش الإنسان أحيانًا أسيرًا لانطباع سريع أو كلمة منقولة أو موقف لم يفهم تفاصيله، فيبني في ذهنه حكمًا على شخص آخر دون أن يتأكد من حقيقة ما جرى، وهنا يبدأ سوء الظن الذي قد يتحول مع الوقت إلى خصومة أو قطيعة أو ظلم في الحكم على الآخرين، ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية لتربي الإنسان على التروي وحسن الظن وعدم الاستسلام للأفكار التي لا تقوم على دليل، لأن الكلمة التي تُقال في لحظة قد تترك أثرًا طويلًا في قلب إنسان لم يُتح له حتى أن يشرح موقفه.

وقد وضع القرآن الكريم قاعدة واضحة في هذا الباب، فقال تعالى في سورة الحجرات: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»، ثم أتبع ذلك بالنهي عن التجسس والغيبة، في سياق واحد يبين كيف يمكن لفكرة غير متثبت منها أن تقود إلى البحث عن عيوب الناس ثم الحديث عنهم بما يكرهون، فالقرآن لا يحذر فقط من النتيجة النهائية، وإنما يغلق الطريق المؤدي إليها منذ بدايته.

وسوء الظن لا يعني أن الإنسان مطالب بأن يلغي عقله أو يتجاهل الوقائع، وإنما المقصود ألا يحول الاحتمال إلى حقيقة، وألا يجعل الشك يقينًا من غير دليل، فهناك فرق كبير بين أن يقول المرء في نفسه إن الأمر يحتمل أكثر من تفسير، وبين أن يحسم بأن فلانًا تعمد الإساءة أو الخيانة أو الكذب، دون أن يعرف ظروف الموقف أو يسمع من صاحبه أو يطلع على حقيقة ما حدث، وقد أوضح تفسير ابن كثير أن النهي يتعلق بالظن في غير موضعه، وبالتهمة التي لا تقوم على أساس معتبر.

أما التحقق، فهو الوجه الآخر لهذه الأخلاق، وقد أرشد القرآن إلى مبدأ التثبت في الأخبار فقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»، وهذه الآية تؤسس لقاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار، وهي ألا يكون الإنسان مجرد ناقل لما يسمع، بل أن يتوقف ويتحقق قبل أن يبني موقفًا أو ينقل كلامًا قد يسيء إلى إنسان بريء أو يفسد علاقة بين الناس.

وجاءت السنة النبوية مؤكدة هذا المعنى بصورة صريحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»، وهو حديث متفق عليه، كما جاء في الرواية نفسها النهي عن التجسس والتحسس والتباغض والتدابر، بما يبين أن سوء الظن ليس مجرد فكرة عابرة، وإنما قد يكون بداية لسلسلة من السلوكيات التي تفسد علاقة الإنسان بغيره وتدفعه إلى البحث عن العيوب وتتبع الخصوصيات.

ومن أجمل ما يحتاجه الإنسان في حياته أن يتعلم إعطاء الآخرين فرصة لشرح أنفسهم، فليس كل صمت تجاهلًا، وليس كل تأخر إهمالًا، وليس كل اختلاف إساءة، وليس كل تصرف غامض دليلًا على نية سيئة، وقد يكون وراء الموقف الذي أثار غضبنا ظرف لا نعرفه أو سبب لم ننتبه إليه، ولذلك فإن حسن الظن لا يعني السذاجة، بل يعني ألا نحكم قبل اكتمال الصورة، وأن نترك مساحة للعذر ما دام الواقع يسمح بذلك.

وفي زمن سرعة انتشار الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت مسؤولية التحقق أكبر من أي وقت مضى، لأن خبرًا غير دقيق يمكن أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، وقد يتحول الكلام المنقول إلى اتهام ثابت في أذهان الناس حتى لو ظهر لاحقًا أنه غير صحيح، ولذلك فإن التثبت ليس مجرد فضيلة دينية وأخلاقية، بل هو أيضًا حماية لكرامة الناس وسمعتهم، وحماية للإنسان نفسه من أن يكون شريكًا في نشر ظلم أو إشاعة.

والقرآن حين نهى عن التجسس والغيبة لم يترك الإنسان أمام فراغ أخلاقي، بل دعاه إلى تقوى الله والتوبة والرحمة، وختمت آية الحجرات بقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ»، وفي ذلك تذكير بأن الإنسان قد يخطئ في حكمه أو كلامه، لكنه يستطيع أن يتراجع ويصحح موقفه ويعتذر ويكف عن نقل ما لا يعلم، فالرجوع عن الخطأ ليس ضعفًا، وإنما علامة على وعي الإنسان وخوفه من أن يظلم غيره بغير حق.

وفي النهاية، يبقى الأصل في التعامل مع الناس أن نزن الأمور بالحقائق لا بالانطباعات، وأن نتحقق قبل أن نحكم، وأن نسمع قبل أن ندين، وأن نترك للآخرين حق تفسير مواقفهم، فرب كلمة قيلت في غياب صاحبها صنعت خصومة، ورب ظن سيئ هدم علاقة، ورب خبر لم يُتحقق منه ظلم إنسانًا بريئًا، ولذلك فإن حسن الظن والتثبت ليسا مجرد سلوك اجتماعي جميل، بل هما من الأخلاق التي تحفظ اللسان والقلب والعلاقات، وتمنح الإنسان فرصة لأن يكون عادلًا حتى عندما لا يعرف كل الحقيقة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك