أنتلجنسيا المغرب: الرباط
تُعد الانتخابات
من أهم الوسائل التي يعبّر من خلالها المواطنون عن إرادتهم ويختارون من يمثلهم
ويتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، ولذلك فإن نزاهتها لا يمكن أن تقوم فقط على
القوانين والإجراءات، وإنما تحتاج أيضًا إلى وعي جماعي بخطورة الغش والرشوة وشراء
الأصوات وبيع الذمم، لأن الصوت الانتخابي ليس سلعة تُباع وتشترى، بل هو أمانة
ومسؤولية، وأي محاولة للتلاعب به أو التأثير على صاحبه بالمال أو الهدايا أو
الوعود والمنافع تمس جوهر العملية الديمقراطية وتحوّل الاختيار الحر إلى وسيلة
لتحقيق مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة.
ويأخذ الغش
الانتخابي صورًا متعددة، من بينها تقديم الأموال أو الهدايا أو التبرعات والمنافع
من أجل التأثير في أصوات الناخبين، أو دفعهم إلى الامتناع عن التصويت، إضافة إلى
استعمال التهديد أو التخويف أو الضغط للتأثير في قرارهم، وهي ممارسات تحظرها
القواعد المنظمة للانتخابات في المغرب، كما أن المقتضيات القانونية الحالية شددت
العقوبات المرتبطة بعدد من الجرائم الانتخابية بهدف حماية حرية التصويت وضمان أن
تكون النتائج تعبيرًا عن الإرادة الحقيقية للناخبين، بعيدًا عن كل أشكال الإكراه
أو الإغراء غير المشروع.
أما الرشوة
الانتخابية، فهي لا تقتصر مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية على من يقدم المال أو
المنفعة، بل تطرح كذلك مسؤولية من يقبل بيع صوته مقابل مبلغ أو هدية أو وعد بمصلحة
شخصية، لأن قبول المقابل يعني تحويل حق جماعي إلى صفقة فردية، وقد يحصل المواطن
على مبلغ محدود في لحظة معينة، لكنه يساهم في المقابل في اختيار من قد يتولى تدبير
قضايا وقرارات تمس حياة المواطنين ومصالحهم لسنوات، ولذلك فإن خطورة بيع الصوت لا
تقاس بقيمة المال الذي تم الحصول عليه، وإنما بالنتائج التي يمكن أن تترتب عن
إفساد الاختيار.
وتحريم الغش
لا يرتبط بالانتخابات وحدها، بل هو مبدأ عام يقوم على الصدق والأمانة في مختلف
مجالات الحياة، فالغش في البيع والشراء، والغش في العمل والدراسة، والتلاعب
بالوثائق والمعاملات، والكذب على الناس واستغلال حاجاتهم، كلها ممارسات تضر بالثقة
وتفسد العلاقات داخل المجتمع، وقد جاءت القيم الدينية والأخلاقية لتؤكد أن الأمانة
أساس التعامل بين الناس، وأن الغش والخداع من السلوكيات المرفوضة التي لا يمكن أن
تكون أساسًا لبناء مجتمع سليم تسوده الثقة والعدل واحترام الحقوق.
ومن أخطر
نتائج بيع الذمم أن المواطن قد يشارك، من حيث لا يشعر، في إضعاف المؤسسات التي
يفترض أن تمثله والدفاع عن مصالحه، لأن المال الذي يُدفع لشراء الأصوات لا يضمن
اختيار الأصلح ولا الأكثر قدرة على تحمل المسؤولية، بل قد يجعل المنافسة مرتبطة
بقدرة بعض المرشحين على الإنفاق والتأثير بدل ارتباطها بالبرامج والكفاءة
والنزاهة، ولهذا فإن حماية الانتخابات من المال غير المشروع لا تعني فقط معاقبة
المخالفين، وإنما تعني أيضًا حماية حق المواطن في اتخاذ قراره بعيدًا عن الضغوط
والمساومات والمصالح الشخصية.
وفي السياق
المغربي، تم وضع مقتضيات قانونية تهدف إلى حماية حرية التصويت وضمان تكافؤ الفرص
بين المرشحين، كما تخضع الجوانب المالية للحملات الانتخابية للمراقبة، وتوجد آليات
لمتابعة المخالفات والشكايات المرتبطة بالعملية الانتخابية، وقد سجلت رئاسة
النيابة العامة خلال الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 شكايات تتعلق بممارسات
تستهدف التأثير في أصوات الناخبين من خلال الهدايا والتبرعات والوعود والمنافع،
وهو ما يعكس أهمية استمرار الرقابة والتعامل الجاد مع كل ممارسة يمكن أن تمس نزاهة
الاقتراع وحرية الاختيار.
ولا يمكن
تحميل المرشحين وحدهم مسؤولية حماية نزاهة الانتخابات، لأن الناخب نفسه شريك أساسي
في هذه العملية، فرفض المال مقابل الصوت ورفض التهديد أو الضغط وعدم المشاركة في
نشر الأخبار الكاذبة والإشاعات، كلها مواقف تساهم في حماية العملية الانتخابية،
كما أن الإبلاغ عن الممارسات غير القانونية عبر القنوات المختصة يساعد المؤسسات
المعنية على التدخل واتخاذ الإجراءات اللازمة، لأن النزاهة الانتخابية مسؤولية
مشتركة لا تتحقق بجهود الإدارة والأجهزة المختصة فقط، وإنما تحتاج إلى مواطن واع
بحقوقه وواجباته وإلى مرشحين يحترمون قواعد المنافسة.
إن بيع الذمم
والغش والرشوة قد تبدو للبعض وسيلة لتحقيق منفعة سريعة، لكنها في حقيقتها تضعف
الثقة بين المواطن والمؤسسات وتفتح الباب أمام منطق المصالح الخاصة بدل المصلحة
العامة، ولذلك فإن مواجهة هذه الظواهر تبدأ من ترسيخ ثقافة تعتبر الصوت الانتخابي
أمانة لا تباع، والمنافسة السياسية مسؤولية لا مجال فيها للخداع، والمال وسيلة
لخدمة المجتمع وليس أداة للسيطرة على إرادة الناخبين، كما أن احترام القانون
والأخلاق لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بالخوف من العقوبة فقط، بل بقناعة راسخة بأن
نزاهة الإنسان في اختياراته اليومية هي الأساس الذي تُبنى عليه نزاهة المجتمع
ومؤسساته.
وفي النهاية،
فإن الانتخابات النزيهة لا تعني فقط وضع أوراق في صناديق الاقتراع، وإنما تعني أن
يصل صوت المواطن كما عبّر عنه دون شراء أو ضغط أو تهديد أو تضليل، وأن يعرف كل
مواطن أن صوته جزء من مسؤوليته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه، وأن المال الذي
يُعرض عليه مقابل صوته لا يمكن أن يعوّض قيمة الحق الذي يتنازل عنه، ولذلك فإن
محاربة الغش والرشوة وبيع الذمم تبدأ برفضها فرديًا ومجتمعيًا، وتستمر بتطبيق
القانون على كل من يحاول إفساد العملية الانتخابية، لأن حماية نزاهة الانتخابات هي
في النهاية حماية لثقة المواطنين وللمؤسسات وللمصلحة العامة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك