أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
عاد ملف التعليم إلى واجهة النقاش العمومي مع انطلاق الموسم الدراسي الجديد، بعدما وجهت النقابة الوطنية للتعليم، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، انتقادات قوية لطريقة تدبير الدخول المدرسي، محذرة من استمرار اختيارات تعتبرها مسؤولة عن تعميق الاختلالات داخل المدرسة العمومية، ومبدية تحفظاً واضحاً على التوجه نحو توسيع نموذج مؤسسات الريادة.
وقالت النقابة إن المعطيات التي رافقت الدخول المدرسي الحالي تكشف، من وجهة نظرها، استمرار عدد من المشاكل البنيوية التي تعاني منها المنظومة التربوية، معتبرة أن الحديث عن تنزيل الإصلاح لا ينسجم، بحسب تقييمها، مع واقع المؤسسات التعليمية وما تواجهه الأطر التربوية والإدارية والتلاميذ من صعوبات على الأرض.
وانتقدت النقابة استمرار ما وصفته بـ«التجريب البيداغوجي والتربوي»، محذرة بشكل خاص من تعميم نموذج مؤسسات الريادة دون إخضاع التجربة، وفق تصورها، لتقييم موضوعي وشامل يسمح بقياس نتائجها قبل الانتقال إلى توسيع نطاقها.
ويأتي هذا الموقف في وقت تراهن فيه وزارة التربية الوطنية على مشروع مؤسسات الريادة باعتباره أحد محاور خارطة الطريق 2022-2026، حيث تقول الوزارة إن النموذج يقوم على مقاربات تربوية فعالة، وتكوين الأساتذة، والتقييم الموضوعي للتعلمات، وتحسين تدبير المؤسسات وتوفير شروط مادية ملائمة. كما أعلنت الوزارة التوجه نحو توسيع النموذج خلال الموسم الدراسي الحالي، بعدما سجلت أن مؤسسات الريادة حققت نتائج إيجابية في مراحلها السابقة.
غير أن النقابة الوطنية للتعليم تقدم قراءة مختلفة تماماً، إذ ترى أن توسيع هذا النموذج لا ينبغي أن يتم بمعزل عن تقييم الاختلالات التي ما تزال تعرفها المنظومة، معتبرة أن الأولوية يجب أن تعطى لمعالجة المشاكل اليومية التي تواجه المؤسسات التعليمية قبل توسيع نطاق أي تجربة تربوية جديدة.
وتوقفت النقابة عند مجموعة من الإشكالات التي قالت إنها أثرت على الدخول المدرسي، من بينها الخصاص في الموارد البشرية، وعدم استكمال أشغال التأهيل أو البناء في عدد من المؤسسات، فضلاً عن مشاكل مرتبطة بالبنيات التربوية والتجهيزات وتنظيم الأقسام والحصص الدراسية.
كما أثارت النقابة مسألة تدبير الأقسام، منتقدة ما وصفته بتقليص البنيات التربوية وتنامي الاكتظاظ، إلى جانب عدم اعتماد التفويج في بعض المواد العلمية، وهي اختلالات ترى أنها تؤثر بشكل مباشر على ظروف التدريس وعلى قدرة الأستاذ على الاشتغال داخل القسم في ظروف تربوية مناسبة.
ولم يغب ملف المؤسسات المتضررة من الزلزال عن انتقادات النقابة، التي تحدثت عن استمرار الدراسة داخل الخيام في بعض المؤسسات، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يطرح أسئلة حول سرعة معالجة آثار الأضرار التي خلفتها الكارثة، وحول الظروف التي يفترض أن توفرها الدولة لضمان تمدرس عادي وآمن للتلاميذ.
وتذهب النقابة إلى أن أزمة التعليم لا يمكن اختزالها في تدبير الدخول المدرسي أو في اختيار بيداغوجي بعينه، بل ترتبط، بحسب موقفها، بتراكم اختيارات سياسية وتربوية وبيداغوجية اتخذتها الحكومات المتعاقبة، معتبرة أن إصلاح المنظومة يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة وإلى معالجة جذرية للاختلالات بدل الاكتفاء بإطلاق مشاريع وإصلاحات متتالية.
كما أعادت النقابة طرح ملف الأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين في قطاع التعليم، مؤكدة أن تحسين ظروف العمل والوضعية المادية والمهنية للشغيلة التعليمية يشكل، في تصورها، مدخلاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي للمدرسة العمومية.
وطالبت النقابة بتنفيذ ما تبقى من مقتضيات النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية، إلى جانب استكمال الالتزامات الواردة في اتفاقي 10 و26 دجنبر 2023، مع التشديد على مطالب مرتبطة بالتعويض التكميلي والرفع من قيمته، وتخفيض ساعات العمل، وإخراج النظام الأساسي الخاص بالأساتذة المبرزين، فضلاً عن الاستجابة لمطالب مختلف فئات الشغيلة التعليمية.
وتضع هذه الانتقادات وزارة التربية الوطنية أمام معادلة دقيقة: فمن جهة، تراهن الوزارة على مشاريع إصلاحية جديدة وتعتبر مؤسسات الريادة إحدى الأدوات الأساسية لتحسين التعلمات والحد من الهدر المدرسي، ومن جهة أخرى، تصر النقابة على أن نجاح أي إصلاح يظل مرتبطاً أولاً بتوفير الموارد البشرية والبنيات والتجهيزات والظروف المهنية الملائمة.
وكانت الوزارة قد أعطت رسمياً انطلاقة الموسم الدراسي 2026-2027 يوم 7 شتنبر الجاري، بعدما حددت في مقررها الوزاري مختلف محطات الدخول المدرسي، مؤكدة أن الموسم سينطلق وفق الجدولة المقررة، مع دعوة مختلف المتدخلين إلى التعبئة لضمان الزمن المدرسي وزمن التعلم لجميع التلاميذ.
وبين خطاب رسمي يركز على الإصلاح وتطوير جودة التعلمات، وانتقادات نقابية تتحدث عن اختلالات بنيوية ومشاكل ميدانية، يعود التعليم المغربي مرة أخرى إلى دائرة النقاش حول السؤال الأصعب: هل تستطيع الإصلاحات الجديدة أن تغير فعلاً واقع المدرسة العمومية، أم أن نجاح أي مشروع سيظل محدوداً ما لم تتم معالجة الاختلالات المرتبطة بالموارد البشرية والاكتظاظ والبنيات والتجهيزات وظروف اشتغال الأطر التعليمية؟
ذلك أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإطلاق نموذج تربوي جديد، وإنما بمدى قدرة هذا النموذج على تحقيق نتائج قابلة للقياس داخل الأقسام، وتحسين التعلمات وظروف التمدرس، وتقليص الفوارق بين المؤسسات والمجالات، مع ضمان تقييم مستمر وشفاف لكل مرحلة من مراحل الإصلاح.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك