أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل
يشهد المغرب خلال المرحلة الحالية تحولات اجتماعية عميقة أثرت
بشكل مباشر على بنية التكافل الاجتماعي التقليدي الذي كان يشكل عبر عقود طويلة
صمام أمان داخل المجتمع المغربي، حيث بدأت مظاهر التضامن العائلي والجماعي تتراجع
تدريجيًا تحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة، وتزايد نسب الفقر والهشاشة، إلى جانب
تأثيرات الجفاف المتكرر الذي ضرب العالم القروي بشكل خاص، ما جعل العديد من الأسر
تعيش تحت ضغط معيشي خانق يحد من قدرتها على مساعدة الآخرين كما كان في السابق.
وفي ظل هذا الواقع المتغير، برز ما يمكن وصفه بتشتت واضح في
منظومة التكافل الاجتماعي، حيث لم تعد العلاقات الاجتماعية التقليدية قادرة على
امتصاص الصدمات الاقتصادية بنفس القوة السابقة، إذ أدى ارتفاع تكاليف المعيشة،
وتراجع المداخيل لدى فئات واسعة من الأسر، إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل البيوت
المغربية، بحيث أصبح التركيز منصبًا على تأمين الاحتياجات الأساسية فقط، بدل
الانخراط في أشكال الدعم المتبادل التي كانت سائدة في الماضي.
ويزداد هذا الوضع تعقيدًا مع استمرار تأثير الجفاف على القطاع
الفلاحي، الذي يعد مصدر دخل رئيسي لعدد كبير من الأسر في القرى والمناطق شبه
الحضرية، حيث أدى تراجع الإنتاج الفلاحي ونقص الموارد المائية إلى فقدان العديد من
الأسر لمصادر رزقها التقليدية، ما ساهم في ارتفاع معدلات الهجرة نحو المدن، وبالتالي
تفكك الروابط الاجتماعية المحلية التي كانت تغذي التكافل داخل المجتمعات القروية.
كما ساهمت التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة في تعميق
هذا التشتت، من خلال تغير أنماط العيش، وتزايد الفردانية داخل المجتمع، وتراجع
الاعتماد على الشبكات الاجتماعية التقليدية في مواجهة الأزمات، وهو ما خلق فراغًا
واضحًا في منظومة الدعم الاجتماعي غير الرسمي التي كانت تلعب دورًا محوريًا في
التوازن الاجتماعي، خصوصًا في فترات الأزمات.
وفي ظل هذه المعطيات، يواجه
المجتمع المغربي تحديًا حقيقيًا يتعلق بإعادة بناء أشكال جديدة من التضامن
الاجتماعي تتلاءم مع الواقع الاقتصادي الحالي، وتستجيب لتزايد الفقر والهشاشة، مع
الحفاظ على الحد الأدنى من الروابط الإنسانية التي تضمن التماسك الاجتماعي، في وقت
تتزايد فيه الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر فاعلية لدعم الفئات المتضررة وتعويض
تراجع التكافل التقليدي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك