سبتة تحاكم من جديد..هل أصبح سائقو الطاكسي بالشمال المغربي أكباش فداء لمأساة أكبر؟

سبتة تحاكم من جديد..هل أصبح سائقو الطاكسي بالشمال المغربي أكباش فداء لمأساة أكبر؟
تقارير / الخميس 06 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

أعاد الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتطوان في حق خمسة من سائقي سيارات الأجرة فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب خلال السنوات الأخيرة، بعدما قضت المحكمة بإدانتهم بستة أشهر حبساً نافذاً وغرامات مالية على خلفية تهم مرتبطة بـ"تسهيل الخروج السري" و"نقل أشخاص بدون ترخيص"، في قضية يرى كثيرون أنها تتجاوز مجرد محاكمة مهنية لتطرح أسئلة عميقة حول المسؤوليات الحقيقية في فاجعة سبتة.

ومنذ صدور الحكم، تصاعدت أصوات داخل الأوساط المهنية والحقوقية تعتبر أن السائقين المدانين لم يقوموا سوى بممارسة نشاطهم اليومي المعتاد المتمثل في نقل المواطنين بين المدن والمناطق، في ظل غياب أي قرار رسمي معلن يمنع التنقل نحو مناطق معينة أو يفرض على سائقي سيارات الأجرة التحقق من نوايا الركاب أو وجهاتهم النهائية.

ويؤكد متابعون للملف أن مراقبة الأشخاص والتثبت من هوياتهم وأسباب تنقلهم ليست من اختصاص السائقين، بل تدخل ضمن صلاحيات الأجهزة الأمنية والإدارية المختصة، وهو ما يجعل تحميلهم مسؤولية ما جرى يثير الكثير من علامات الاستفهام القانونية والمنطقية.

ويزداد الجدل حدة عندما يتعلق الأمر بطبيعة التهم نفسها، إذ يرى منتقدو الحكم أن الحديث عن "هجرة سرية" يبدو متناقضاً مع الوقائع التي جرت أمام أنظار العالم بأسره، حيث تابعت وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي تفاصيل الأحداث بشكل مباشر ومفتوح، في مشهد يصعب معه توصيف ما وقع بأنه عملية سرية بالمعنى المتعارف عليه قانونياً.

كما يثير استعمال بعض المفاهيم الواردة في المتابعة نقاشاً قانونياً وسياسياً واسعاً، خاصة عندما يتعلق الأمر بالإشارة إلى "مراكز حدودية" في سياق يرتبط بمدينة سبتة المحتلة، وهي مسألة تظل محل حساسيات سياسية ودبلوماسية معروفة بالنظر إلى الموقف المغربي من المدينة.

ولم يتوقف الجدل عند مضمون الاتهامات فقط، بل امتد أيضاً إلى ظروف المحاكمة نفسها، بعدما جرت جلسات النظر في الملف في ظل غياب دفاع المتهمين بسبب إضراب المحامين، وهو معطى دفع عدداً من المتابعين إلى التساؤل حول مدى توفر جميع شروط المحاكمة العادلة في قضية بهذا الحجم والحساسية.

وتطرح هذه التطورات سؤالاً محورياً ظل معلقاً منذ اندلاع أحداث سبتة: هل تكفي إدانة عدد من سائقي سيارات الأجرة للإجابة عن الأسئلة الكبرى التي خلفتها واحدة من أكثر الوقائع مأساوية في تاريخ الهجرة بالمنطقة؟ فبالنسبة لعدد من الحقوقيين والفاعلين المدنيين، فإن ما جرى لم يكن حادثاً عادياً أو ملفاً جنائياً بسيطاً، بل أزمة إنسانية معقدة تستوجب تحقيقاً شاملاً يحدد مختلف المسؤوليات والاختلالات التي قادت إلى تلك الأحداث.

وفي الوقت الذي شهدت فيه إسبانيا تحركات وتحقيقات قضائية لتقصي ملابسات ما وقع وتحديد ما إذا كانت هناك مسؤوليات جنائية أو إدارية محتملة، ما تزال العديد من الأسئلة الجوهرية مطروحة داخل المغرب دون أجوبة واضحة، من بينها كيفية وقوع الأحداث، والجهات التي كانت تدبر الوضع ميدانياً، وطبيعة القرارات التي اتخذت في تلك الفترة، ومن يتحمل المسؤولية السياسية أو الإدارية أو الأمنية عما حدث.

ويضيف متابعون أن من بين النقاط التي أثارت الانتباه أيضاً الطريقة التي أُعلن بها عن فتح الأبحاث المرتبطة بالملف، حيث جاء الإعلان من خلال وزارة الداخلية، الأمر الذي فتح نقاشاً حول حدود الاختصاصات بين المؤسسات، ودور النيابة العامة باعتبارها الجهة القضائية المخول لها دستورياً الإشراف على الأبحاث والمتابعات القضائية وإخبار الرأي العام بشأنها.

وبينما يرى البعض أن الأحكام الصادرة تمثل تطبيقاً للقانون وفق ما انتهت إليه المحكمة من وقائع ومعطيات، يعتبر آخرون أن التركيز على الحلقة الأضعف في هذه القضية لن يطوي صفحة سبتة، ولن يجيب عن الأسئلة الثقيلة التي ما زالت تطارد الرأي العام وعائلات الضحايا والمفقودين والمصابين.

ومهما اختلفت القراءات القانونية والسياسية للحكم، فإن المؤكد أن ملف سبتة لم يغلق بعد في الذاكرة الجماعية، وأن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق فقط بمصير خمسة سائقي طاكسيات، بل بمطلب أوسع يتمثل في كشف الحقيقة الكاملة حول واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إثارة للصدمة والجدل، وهي الحقيقة التي ما زال كثيرون يعتبرون أن الوصول إليها يقتضي مساءلة شاملة لا تتوقف عند حدود معاقبة أفراد، بل تمتد إلى البحث في كل الملابسات والقرارات والجهات التي ارتبطت بذلك اليوم الذي لا يزال يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الأجوبة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك