أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات السنوات الماضية، عادت منصات التواصل الاجتماعي لتتحول إلى ساحة مفتوحة لترويج دعوات جديدة للهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة، بعدما انتشرت خلال الساعات الأخيرة رسائل ومنشورات تدعو إلى تنفيذ محاولة عبور جماعي ليلة 15 غشت، في خطوة أثارت موجة من الجدل والقلق بشأن احتمال تكرار مشاهد الفوضى التي عرفتها المنطقة في مناسبات سابقة.
وتداول مئات المستخدمين على منصات رقمية مختلفة محتويات تدعو الراغبين في الهجرة إلى الانضمام لمجموعات مغلقة على تطبيق "واتساب"، حيث يتم تبادل المعلومات وتنسيق التحركات بين المشاركين، فيما تضمنت بعض الرسائل عبارات تحفيزية ووعوداً غير مؤكدة بشأن إمكانية الوصول إلى الأراضي الإسبانية والحصول على فرص للعمل والاستقرار داخل أوروبا.
وتأتي هذه الدعوات الجديدة في سياق حساس، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها المناطق المحاذية لسبتة ومليلية، والتي دفعت السلطات المغربية والإسبانية إلى رفع مستوى اليقظة ومراقبة الفضاء الرقمي بشكل أكبر لرصد أي محاولات للتنسيق الجماعي أو نشر معلومات مضللة تستهدف فئات واسعة من الشباب.
وتؤكد مصادر رسمية أن ما وقع خلال الأزمات السابقة لم يكن نتيجة اندفاعات عفوية أو ردود فعل فردية، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل معقدة، من بينها الانتشار المكثف للمحتويات المضللة عبر الإنترنت، واستغلال شبكات الاتجار بالبشر لحالة الهشاشة الاجتماعية لدى بعض الشباب، إضافة إلى تداول تأويلات خاطئة لمعطيات قانونية وإدارية أوحت للبعض بإمكانية دخول الفضاء الأوروبي بسهولة أو الاستفادة من أوضاع استثنائية غير موجودة في الواقع.
ولم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى أداة رئيسية في تعبئة الراغبين في الهجرة غير النظامية وتنظيم التحركات الجماعية. فقد شهد شهر شتنبر من سنة 2024 انتشار حملات مشابهة حددت مواعيد لعبور جماعي نحو سبتة، قبل أن تتكرر الظاهرة خلال غشت 2025 من خلال دعوات مماثلة ركزت أيضاً على يوم 15 غشت، ما دفع السلطات حينها إلى تعزيز الإجراءات الأمنية واتخاذ تدابير استباقية لمنع أي تطورات ميدانية.
ويعكس تكرار هذه الحملات خلال ثلاث سنوات متتالية تحولاً واضحاً في أساليب استقطاب المرشحين للهجرة، حيث أصبحت الشبكات الرقمية والمجموعات المغلقة تلعب دوراً محورياً في نشر الدعوات وتضخيم التوقعات وصناعة حالة من التعبئة الجماعية، مستفيدة من سرعة انتشار المعلومات وصعوبة التحقق من مصادرها.
وفي المقابل، تواصل السلطات المغربية التحذير من الانسياق وراء هذه الدعوات، مؤكدة أن الهجرة غير النظامية تحمل مخاطر قانونية وإنسانية جسيمة، وأن الترويج أو التحريض على مثل هذه التحركات يخضع للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل وقد يعرض المتورطين للمساءلة القضائية.
ومع اقتراب موعد 15 غشت الذي تروج له هذه الدعوات، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الفضاء الرقمي مرة أخرى على التأثير في سلوك آلاف الشباب الباحثين عن فرصة للهجرة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استغلال أحلامهم وطموحاتهم من قبل جهات مجهولة لا تتحمل أي مسؤولية عن العواقب الإنسانية والقانونية التي قد تترتب على مثل هذه المغامرات المحفوفة بالمخاطر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك