أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
مع كل موجة حر تجتاح المغرب، يعود إلى الواجهة واحد من أكثر
المشاهد إيلامًا في العالم القروي؛ آلاف النساء الفلاحيات يخرجن منذ ساعات الفجر
الأولى إلى الحقول، ويواصلن العمل تحت أشعة شمس حارقة قد تتجاوز درجات حرارة
قياسية، دون وسائل حماية كافية، ودون تغطية صحية أو شروط عمل تحفظ لهن الكرامة
الإنسانية.
وبينما تصدر التحذيرات من مخاطر الإجهاد الحراري، تستمر
هؤلاء النساء في العمل لأن لقمة العيش لا تنتظر، ولأن التوقف عن العمل يعني في
كثير من الحالات حرمان أسر بأكملها من دخلها اليومي.
المرأة الفلاحة في المغرب لم
تعد مجرد عاملة موسمية، بل أصبحت العمود الفقري للاقتصاد القروي، فهي تزرع وتحصد
وتجمع المحاصيل، وتساهم في الأمن الغذائي الوطني، ورغم ذلك لا تزال تعيش أوضاعًا
توصف بأنها من بين الأكثر هشاشة على المستوى الاجتماعي. فالكثير من العاملات
يشتغلن في إطار غير مهيكل، دون عقود عمل، ودون تأمين عن حوادث الشغل، ودون استفادة
فعلية من منظومة الحماية الاجتماعية، في وقت تزداد فيه مخاطر العمل مع الارتفاع
الكبير في درجات الحرارة.
وتزداد المعاناة مع وسائل
النقل التي تقل العاملات إلى الضيعات الفلاحية، حيث ما تزال صور الاكتظاظ في
سيارات النقل غير المهيأة تتكرر في عدد من المناطق، رغم الحوادث المأساوية التي
عرفها المغرب خلال السنوات الماضية، والتي أودت بحياة عاملات وأصابت أخريات بجروح
خطيرة. ورغم النقاش الواسع الذي أثارته تلك الحوادث، يرى كثيرون أن واقع النقل
وظروف العمل لم يشهدا التغيير المأمول.
وفي خضم هذه الظروف، يوجه عدد
من الفاعلين الحقوقيين والنقابيين انتقادات إلى الأداء السياسي في التعاطي مع هذا
الملف، معتبرين أن قضايا العاملات الفلاحيات لا تحظى بالأولوية نفسها التي تمنح
لملفات أخرى.
ويذهب بعض المنتقدين إلى أن العطلة البرلمانية تتزامن مع
فترة تعرف ذروة معاناة العاملات في الحقول، في وقت يقضي فيه عدد من المسؤولين
والبرلمانيين عطلهم الصيفية، بينما تبقى مشاكل النساء القرويات دون حلول جذرية.
غير أن هذا يبقى توصيفًا وموقفًا تتبناه جهات منتقدة، ولا يعني بالضرورة أنه ينطبق
على جميع البرلمانيين أو المسؤولين.
ويرى هؤلاء المنتقدون أن
المؤسسة التشريعية تتحمل جزءًا من المسؤولية بحكم دورها في سن القوانين ومراقبة
العمل الحكومي، معتبرين أن الحاجة أصبحت ملحة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم
للعمل الفلاحي، وتشديد الرقابة على احترام شروط السلامة والصحة المهنية، وضمان
استفادة العاملات من الحقوق الاجتماعية التي يكفلها القانون.
في المقابل، تؤكد السلطات
أنها أطلقت خلال السنوات الأخيرة إصلاحات لتوسيع الحماية الاجتماعية، كما تم
اعتماد نصوص قانونية وتنفيذ برامج تستهدف تحسين ظروف العمل في عدد من القطاعات،
بما فيها القطاع الفلاحي. إلا أن العديد من الجمعيات والمهتمين يعتبرون أن التحدي
الأكبر لا يكمن في إصدار القوانين فقط، وإنما في ضمان تطبيقها ميدانيًا، ومراقبة
مدى احترامها داخل الضيعات الفلاحية.
وتنص تشريعات العمل المغربية،
إلى جانب الاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صادق عليها المغرب، على ضرورة توفير
شروط السلامة والصحة المهنية، وصون كرامة العمال والعاملات، ومنع كل أشكال
الاستغلال. غير أن تقارير حقوقية تشير بين الحين والآخر إلى وجود فجوة بين النصوص
القانونية والممارسة على أرض الواقع، خاصة في القطاع غير المهيكل.
ومع استمرار موجات الحر
الناتجة عن التغيرات المناخية، تزداد الحاجة إلى إجراءات استثنائية لحماية
العاملات الفلاحيات، من بينها تعديل ساعات العمل خلال فترات الحرارة الشديدة،
وتوفير مياه الشرب وأماكن للراحة، وإخضاع الضيعات لمراقبة أكثر صرامة، وضمان
التغطية الصحية والتصريح بجميع العاملات لدى أنظمة الحماية الاجتماعية.
وتبقى المرأة الفلاحة، رغم كل الصعوبات، رمزًا للصبر والعمل والإنتاج، فهي
تحمل على كتفيها مسؤولية إعالة أسرتها والمساهمة في الاقتصاد الوطني، بينما ينتظر
كثيرون أن تتحول الوعود والتشريعات إلى إجراءات ملموسة تضمن لها بيئة عمل آمنة
وحياة كريمة، بما ينسجم مع الدستور المغربي والالتزامات الدولية للمملكة في مجال
حقوق الإنسان والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك