تقرير:المغرب يطيح بعرش جنوب أفريقيا ويتربع على قمة التصنيع بالقارة السمراء لأول مرة في التاريخ

تقرير:المغرب يطيح بعرش جنوب أفريقيا ويتربع على قمة التصنيع بالقارة السمراء لأول مرة في التاريخ
تقارير / الخميس 28 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا

حقق المغرب إنجازا اقتصاديا وصناعيا غير مسبوق بعدما تمكن لأول مرة من انتزاع صدارة مؤشر التصنيع الأفريقي لعام 2025 الصادر عن البنك الأفريقي للتنمية، متجاوزا جنوب أفريقيا التي احتفظت بالمركز الأول منذ سنة 2010، في تحول وصفه متابعون بأنه لحظة مفصلية تعكس صعود القوة الصناعية المغربية داخل القارة السمراء.

وجاء تصدر المغرب لهذا المؤشر بعد تسجيله 0.8415 نقطة، متقدما بفارق طفيف لكنه رمزي وقوي على جنوب أفريقيا التي حصلت على 0.8396 نقطة، وهو ما يعكس نجاح الرباط في بناء نموذج صناعي متنوع وقادر على المنافسة القارية والدولية، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة.

التقرير الصادر عن البنك الأفريقي للتنمية أكد أن المغرب استطاع خلال السنوات الأخيرة تحقيق ترقية صناعية متواصلة بفضل السياسات الإستراتيجية التي اعتمدتها الدولة، إلى جانب تطوير البنيات التحتية وتحسين مناخ الاستثمار وربط الاقتصاد الوطني بسلاسل الإنتاج العالمية، ما جعل المملكة تتحول إلى منصة صناعية جذابة للشركات الدولية.

ولم يكن هذا التقدم وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سنوات من العمل المتواصل على تطوير المناطق الصناعية والموانئ الكبرى وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح واحدا من أهم المراكز اللوجستية في أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي منح المغرب قدرة تنافسية كبيرة في التصدير وجلب الاستثمارات.

وأشار التقرير إلى أن المغرب نجح في تنويع صادراته الصناعية بشكل لافت، بعدما كان يعتمد في السابق على قطاعات محدودة، ليصبح اليوم من أبرز المنتجين والمصدرين للسيارات ومكونات الطائرات والأسلاك الكهربائية والفوسفاط ومشتقاته، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

واعتبر مراقبون أن تفوق المغرب على جنوب أفريقيا يحمل دلالات اقتصادية وسياسية عميقة، لأن بريتوريا كانت تعتبر لعقود القوة الصناعية الأولى في القارة، غير أن التحديات الداخلية التي تواجهها جنوب أفريقيا، من أزمات الطاقة والبطالة والاضطرابات الاجتماعية، فتحت المجال أمام صعود قوى اقتصادية جديدة على رأسها المغرب.

وفي الوقت الذي حلّت فيه مصر ثالثة بنتيجة 0.7827 نقطة، جاءت تونس في المرتبة الرابعة بـ0.7760 نقطة، بينما احتلت موريشيوس المرتبة الخامسة بـ0.6731 نقطة، متبوعة بالجزائر التي جاءت سادسة بـ0.6661 نقطة، وهو ما جعل الدول العربية تفرض حضورا قويا ضمن قائمة الاقتصادات الصناعية الأولى في أفريقيا.

وكشف التقرير أن المغرب وجنوب أفريقيا ومصر وتونس تشكل ما يشبه الرباعي الصناعي المتقدم داخل القارة، إذ ما تزال هذه الدول تتفوق بفارق واضح عن بقية الاقتصادات الأفريقية من حيث البنية الصناعية والقدرة التصديرية وجاذبية الاستثمار.

كما أبرز التقرير استمرار هيمنة منطقة شمال أفريقيا على المشهد الصناعي بالقارة، بعدما سجلت المنطقة أفضل نتيجة أفريقية خلال سنة 2024 بمعدل بلغ 0.6891 نقطة، متقدمة على منطقة الجنوب الأفريقي التي سجلت 0.5850 نقطة، بينما جاءت مناطق وسط وغرب وشرق أفريقيا في مراتب متأخرة نسبيا.

ويرى خبراء الاقتصاد أن صعود المغرب إلى المرتبة الأولى أفريقيا لم يعد مجرد مؤشر إحصائي، بل يعكس تحولا بنيويا في طبيعة الاقتصاد الوطني الذي انتقل تدريجيا من اقتصاد يعتمد على الفلاحة والخدمات إلى اقتصاد صناعي متنوع قادر على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل وتعزيز الصادرات.

كما لعب الاستقرار السياسي والمؤسساتي دورا محوريا في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين، خاصة في ظل الاضطرابات التي تعرفها عدة مناطق بالقارة، حيث نجح المغرب في تقديم نفسه كشريك موثوق ومنصة آمنة للاستثمار والإنتاج والتصدير نحو أوروبا وأفريقيا وأمريكا.

ويؤكد متابعون أن الإستراتيجية الصناعية المغربية التي أطلقت منذ سنوات، خصوصا عبر مخطط التسريع الصناعي، بدأت تعطي ثمارها بشكل واضح، بعدما تمكنت المملكة من جذب كبريات الشركات العالمية في مجال صناعة السيارات والطيران، وتحويل مدن مثل طنجة والقنيطرة والدار البيضاء إلى أقطاب صناعية متكاملة.

ويشكل قطاع السيارات أحد أبرز قصص النجاح المغربية، إذ أصبح المغرب أول مصنع للسيارات في أفريقيا، متجاوزا جنوب أفريقيا في حجم الإنتاج، مع وجود مصانع عملاقة لشركات عالمية ومئات المقاولات المرتبطة بسلاسل التوريد والتجهيز الصناعي.

كما ساهمت الاستثمارات الضخمة في البنيات التحتية والطرق السيارة والموانئ والقطارات في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، إذ أصبحت عملية نقل البضائع وربط المناطق الصناعية بالأسواق الدولية أكثر سرعة وفعالية مقارنة بعدة دول أفريقية أخرى.

ويرى محللون أن هذا التتويج الصناعي يضع المغرب أمام تحديات جديدة تتعلق بضرورة الحفاظ على وتيرة النمو الصناعي وتحسين جودة التكوين المهني والجامعي وربط البحث العلمي بالقطاع الصناعي، حتى يتمكن من الحفاظ على موقعه الريادي داخل القارة.

وفي المقابل، يعتقد مراقبون أن المنافسة الأفريقية ستشتد خلال السنوات المقبلة، خاصة مع سعي دول مثل مصر والجزائر ونيجيريا إلى تطوير قدراتها الصناعية واستقطاب استثمارات جديدة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والصناعات الثقيلة.

ويحمل تصدر المغرب للمشهد الصناعي الأفريقي أيضا أبعادا جيوسياسية مهمة، إذ يعزز نفوذ المملكة داخل القارة ويقوي حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، خاصة في ظل توجه الرباط نحو تعميق شراكاتها مع الدول الأفريقية جنوب الصحراء.

كما يعزز هذا الإنجاز صورة المغرب كشريك اقتصادي موثوق لدى المؤسسات الدولية والمستثمرين العالميين، وهو ما قد يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية أكبر خلال السنوات المقبلة، خصوصا في القطاعات الصناعية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والتحول الرقمي.

ويؤكد خبراء أن استمرار المغرب في صدارة التصنيع الأفريقي يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية، حتى ينعكس هذا التقدم الصناعي على تحسين مستوى عيش المواطنين وخلق فرص شغل واسعة ومستدامة.

وبات واضحا أن المغرب لم يعد مجرد اقتصاد صاعد داخل أفريقيا، بل تحول إلى قوة صناعية حقيقية تنافس أكبر الاقتصادات بالقارة، مستفيدا من موقعه الجغرافي الإستراتيجي وشبكة اتفاقياته التجارية واستقراره السياسي ورؤيته الصناعية بعيدة المدى.

هذا الإنجاز التاريخي يكرس تحولا كبيرا في موازين القوة الاقتصادية داخل أفريقيا، ويؤكد أن المغرب استطاع خلال سنوات قليلة الانتقال من موقع المنافس إلى موقع القائد الصناعي الأول في القارة السمراء.

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك