أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
المقدمة
منذ بدايات الحركات الإسلامية الحديثة في القرن العشرين، ظل سؤال التغيير السياسي يحتل موقعا مركزيا في مشاريعها الفكرية والتنظيمية. لم يكن الاختلاف حول ضرورة التغيير بقدر ما كان حول وسيلته، وطبيعته، والفاعل القادر على إنجازه. هذا التباين في الرؤى أفرز مقاربات متعددة للتعامل مع الدولة والسلطة، تعكس تنوعا في الفهم الأيديولوجي والواقع السياسي الذي تعمل فيه هذه الحركات .
فبينما اعتبرت بعض الحركات أن الدولة يمكن إصلاحها تدريجيا من داخل مؤسساتها القائمة، مؤمنة بإمكانية التغيير عبر المشاركة السياسية السلمية، رأت حركات أخرى أن المشكلة تكمن في قواعد النظام السياسي نفسه، وأن المشاركة قبل إعادة تأسيس تلك القواعد لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الوضع القائم وتكريس الاستبداد. وفي المقابل، ظهر اتجاه ثالث يرى أن السلطة لا تكتسب عبر التفاوض أو الانتخابات، وإنما عبر تغيير موازين القوة والسيطرة على أدوات الدولة بالقوة .
تهدف هذه الدراسة إلى مقارنة هذه النظريات الثلاث للتغيير السياسي ضمن الفكر الحركي الإسلامي: الإصلاح المؤسسي، التغيير التعاقدي، والتمكين بالقوة. ستحلل الدراسة الفرضيات الأساسية لكل اتجاه، وتستعرض أمثلة تطبيقية من تجارب حركات إسلامية معاصرة، وتقيم قدرتها على تحويل المشروع الفكري إلى سلطة سياسية ومؤسسات حكم مستقرة، مع الاستناد إلى نظريات علم السياسة المقارن. السؤال المركزي الذي تسعى الدراسة للإجابة عليه هو: أي نظرية للتغيير امتلكت قدرة أكبر على تحويل المشروع الفكري إلى سلطة سياسية ومؤسسات حكم مستقرة وشرعية؟
الإصلاح من داخل الدولة... نظرية المشاركة التدريجية
يمثل هذا الاتجاه حركات ترى أن الدولة ليست كيانا مغلقا أو عدوا وجوديا، بل هي بنية يمكن التأثير فيها تدريجيا عبر المشاركة السياسية والعمل المؤسسي. تستند هذه الرؤية إلى مفاهيم مثل الإصلاح التدريجي، فقه الموازنات، والمشاركة بدل المغالبة، مع التركيز على المحافظة على الاستقرار وتجنب الصدام . يفترض هذا التصور أن الوصول إلى البرلمان والحكومة يسمح بتوسيع دائرة الإصلاح شيئا فشيئا، وتحقيق التغيير من الأعلى إلى الأسفل
في المغرب، تمثل حركة التوحيد والإصلاح وامتدادها السياسي، حزب العدالة والتنمية، هذا الاتجاه.
لقد أثار دخول حزب العدالة والتنمية المغربي (PJD) إلى الحكومة وقيادته لها لولايتين متتاليتين (2011-2021) جدلا واسعا حول مدى قدرة الأحزاب الإسلامية المشاركة في الأنظمة القائمة على تحقيق مشروع سياسي ذي مرجعية إسلامية. يرى البعض أن تجربة الحزب كانت نموذجا للمشاركة السلمية والإصلاح من الداخل، بينما يرى آخرون أنها كشفت عن محدودية هذه المشاركة وعدم قدرة الحزب على إحداث تغيير جوهري.
صعد حزب العدالة والتنمية إلى واجهة المشهد السياسي المغربي في سياق الربيع العربي عام 2011، حيث فاز بالانتخابات التشريعية وشكل الحكومة. كانت هذه المشاركة تتويجا لمسار طويل من العمل السياسي التدريجي الذي بدأته حركة التوحيد والإصلاح، الذراع الدعوي للحزب. وقد تبنى الحزب خطابا إصلاحيا يركز على محاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الديمقراطية، مع الحفاظ على الثوابت الدينية والوطنية .
تطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان حزب العدالة والتنمية قد حقق فعلا مشروعا سياسيا بمرجعية إسلامية أثناء وجوده في الحكومة. يمكن تحليل هذه النقطة من عدة زوايا:
الإصلاحات التشريعية والاقتصادية: سعى الحزب إلى تمرير بعض الإصلاحات التي اعتبرها من صميم مشروعه، مثل إصلاح صندوق المقاصة، وإصلاح نظام التقاعد، ومحاولة تمرير قانون البنوك التشاركية (الإسلامية) . ومع ذلك، يرى النقاد أن هذه الإصلاحات كانت غالبا ذات طابع تقني واقتصادي، ولم تمس جوهر البنية السياسية أو الاجتماعية بما يعكس رؤية إسلامية شاملة للتغيير. كما أن العديد من هذه الإصلاحات كانت تمليها الضرورات الاقتصادية وتوجيهات المؤسسات الدولية، وليست بالضرورة نابعة من مشروع إسلامي أصيل .
محدودية السلطة التنفيذية: على الرغم من ترؤس الحزب للحكومة، إلا أن السلطة الحقيقية في المغرب تظل موزعة بين المؤسسة الملكية ومؤسسات الدولة العميقة . وقد واجه الحزب تحديات كبيرة في تنفيذ أجندته بسبب هذه البنية المعقدة للسلطة. فمثلا، تم إعفاء الأمين العام للحزب، عبد الإله بنكيران، من تشكيل الحكومة لولاية ثانية، وتعيين شخصية أخرى من الحزب نفسه، مما أظهر بوضوح أن القرار السياسي النهائي لا يزال بيد المؤسسة الملكية .
اضطر الحزب إلى تقديم تنازلات سياسية في قضايا حساسة، مثل تمرير قوانين تتعارض مع مرجعيته (مثل قانون القنب الهندي)، والتوقيع على اتفاقيات لا تحظى بقبول قاعدته الشعبية (مثل اتفاق التطبيع مع إسرائيل) . هذه التنازلات أدت إلى تاكل شعبيته وتراجع كبير في نتائجه الانتخابية عام 2021، مما يشير إلى أن المشاركة في الحكم لم تكن كافية لتحقيق الأهداف الإسلامية المعلنة، بل ربما أدت إلى تطبيع الحزب مع الواقع السياسي القائم على حساب مبادئه .
يرى المنتقدون أن الحزب، حتى عندما كان في سدة الحكم، لم يتمكن من إحداث تغيير هيكلي حقيقي في بنية الدولة أو توزيع السلطة. بل بقي محكوما بالضغوط الداخلية والخارجية، ولم يحقق أي تقدم يحسب لصالح الإسلاميين والإسلام في الجوانب الجوهرية التي تميز المشروع الإسلامي عن غيره، مثل تعزيز الشورى الحقيقية، أو تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية الإسلامية بشكل جذري .
يمكن القول إن تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم كانت معقدة ومتعددة الأوجه. فمن جهة، أثبتت قدرة الأحزاب الإسلامية على الاندماج في العملية السياسية والمشاركة في الحكم. ومن جهة أخرى، كشفت عن التحديات الهيكلية والسياسية التي تحد من قدرة هذه الأحزاب على تحقيق مشاريعها الإصلاحية في ظل أنظمة سياسية لا تزال تحتفظ بقدر كبير من السلطة في يد مؤسسات غير منتخبة. وبالتالي، فإن فكرة أن المشاركة السياسية السلمية كافية لتحقيق مشروع إسلامي شامل تظل محل نقاش عميق.
التغيير التعاقدي... نموذج جماعة العدل والإحسان
جماعة العدل والإحسان تعتبر من أبرز الحركات الإسلامية في المغرب التي اختارت مسار المعارضة وعدم المشاركة في المؤسسات السياسية الرسمية. تقوم رؤيتها على نقد عميق للنظام السياسي القائم، وتطرح بديلا يعتمد على التغيير التعاقدي وتهيئة الظروف لمشاركة حقيقية.
تعتبر جماعة العدل والإحسان أن النظام السياسي المغربي نظام استبدادي وغير ديمقراطي، وأن المشاركة في مؤسساته (البرلمان، الحكومة) تضفي الشرعية على هذا الاستبداد دون إحداث تغيير حقيقي . وترى الجماعة أن المشكلة لا تكمن في الحكومة فقط، بل في بنية النظام السياسي التي تتحكم في عملية إنتاج السلطة وتداولها. لذلك، فإنها ترفض المشاركة في الانتخابات أو أي مؤسسات أخرى ما لم يتم إصلاح جذري وشامل للنظام .
تطرح الجماعة ما تسميه نظرية التغيير التعاقدي باعتبارها تصورا سياسيا بديلا لكل من خيار الاندماج في المؤسسات القائمة قبل إصلاحها، وخيار التغيير العنيف أو المسلح. وينطلق هذا التصور من فكرة مركزية مفادها أن أي مشاركة سياسية لا يمكن أن تكون ذات جدوى في ظل قواعد دستورية ومؤسساتية لا تضمن التوازن بين السلطات ولا تكفل الإرادة الشعبية الحقيقية، ولذلك ترى الجماعة أن الأولوية ينبغي أن تمنح لإعادة تأسيس النظام السياسي على أسس تعاقدية جديدة تقوم على التوافق الوطني والإصلاح الدستوري الشامل، قبل الانتقال إلى مرحلة التنافس السياسي وتداول السلطة. ومن هذا المنطلق تدعو إلى مراجعة المنظومة الدستورية بما يضمن الفصل الحقيقي بين السلطات، واستقلال السلطة القضائية، وتعزيز الرقابة والمحاسبة، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، وضمان نزاهة الانتخابات وشفافيتها، وصيانة الحقوق والحريات العامة، بما يفضي إلى بناء نظام سياسي يستند إلى تعاقد مجتمعي جديد يحدد بوضوح العلاقة بين الدولة والمجتمع ويضمن مشاركة جميع القوى السياسية في إطار من المساواة والتكافؤ.
ويرتبط هذا التصور كذلك باعتماد وسائل التغيير السلمي والتدريجي، حيث تراهن الجماعة على الضغط المجتمعي المنظم بوصفه الآلية الرئيسة لدفع السلطة نحو الإصلاح، بعيدا عن منطق المواجهة المسلحة أو الصدام العنيف. ولذلك تعمل على توسيع حضورها داخل المجتمع من خلال الأنشطة الدعوية والتربوية والثقافية والاجتماعية، وتسعى إلى بناء رأي عام مساند لمطالب الإصلاح، وإقامة جسور التواصل مع مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين والنقابيين والحقوقيين، انطلاقا من قناعة مفادها أن التحول الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق بجهد فصيل واحد، وإنما يحتاج إلى توافق وطني واسع يجمع مختلف مكونات المجتمع حول مشروع إصلاحي مشترك. ويعكس هذا التوجه إيمان الجماعة بأن التغيير المستدام ينبغي أن يكون ثمرة إرادة مجتمعية جامعة، لا نتيجة تغلب طرف على اخر أو فرض مشروع سياسي بالقوة.
وفي ضوء هذه الرؤية، لا تنظر الجماعة إلى المشاركة السياسية باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما تعدها مرحلة لاحقة تقتضي توافر شروط سياسية ودستورية تضمن نزاهتها وفاعليتها. فهي ترى أن الانخراط في مؤسسات لا تتوافر فيها ضمانات المنافسة العادلة قد يؤدي إلى منح الشرعية لبنية سياسية غير قابلة للإصلاح من داخلها، ومن ثم تشترط قبل أي مشاركة تهيئة مناخ سياسي يتسم بالانفتاح الديمقراطي الحقيقي، يشمل توسيع مجال الحريات العامة، واحترام حرية التنظيم والتعبير، ورفع القيود المفروضة على العمل السياسي والمدني، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين دون إقصاء أو تمييز. ووفق هذا المنظور، فإن المشاركة لا تعد مدخلا للإصلاح، بل نتيجة طبيعية لإصلاح دستوري وسياسي سابق يهيئ البيئة المناسبة لممارسة ديمقراطية حقيقية تقوم على التعاقد، والتوافق، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، بما يسمح بتداول السلطة في إطار مؤسسات تتمتع بالمصداقية والشرعية.
على الرغم من أن جماعة العدل والإحسان تقدم نظرية التغيير التعاقدي باعتبارها بديلا عن خيار المشاركة في المؤسسات القائمة أو خيار المواجهة المسلحة، فإن هذه النظرية واجهت جملة من الانتقادات التي مست بنيتها الفكرية وإمكاناتها التطبيقية. فالإشكال، في نظر عدد من الباحثين، لا يتعلق بالقيم التي تنطلق منها الجماعة، كالحرية والعدل والحكم الرشيد والإصلاح الدستوري، إذ تحظى هذه المبادئ بقبول واسع في الفكر السياسي المعاصر، وإنما يتعلق بمدى واقعية الآليات التي تقترحها لتحقيق تلك الأهداف، وبقدرتها على الانتقال بالمشروع من مستوى التصور النظري إلى مستوى الممارسة السياسية.
تقوم نظرية التغيير لدى الجماعة على اشتراط إصلاح دستوري شامل يسبق أي مشاركة سياسية، بما يضمن إعادة توزيع السلطة، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، ونزاهة الانتخابات، وإقامة نظام سياسي تعاقدي جديد. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلا محوريا حول الكيفية التي يمكن بها دفع السلطة القائمة إلى القبول طوعا بإجراء إصلاحات تقلص من نفوذها وصلاحياتها. فالجماعة ترفض الانخراط في المؤسسات القائمة بدعوى أنها لا تنتج إصلاحا حقيقيا، كما ترفض اللجوء إلى العنف باعتباره وسيلة للتغيير، لتبقى تراهن على الضغط المجتمعي السلمي والتعبئة الشعبية باعتبارهما المدخل الرئيس لتحقيق التحول السياسي. إلا أن تجارب الانتقال السياسي المقارنة تشير إلى أن الأنظمة السياسية المستقرة نادرا ما تقدم تنازلات دستورية جوهرية لمجرد الدعوات الأخلاقية أو الضغوط الاجتماعية المحدودة، بل غالبا ما ترتبط الإصلاحات العميقة بتوافر موازين قوى جديدة، أو أزمات سياسية واقتصادية خانقة، أو توافقات واسعة بين الفاعلين السياسيين. وفي الحالة المغربية، يزداد هذا الإشكال وضوحا بالنظر إلى قدرة النظام السياسي، منذ الاستقلال، على إدارة موجات الاحتجاج المتعاقبة عبر مزيج من الإصلاحات الجزئية، وإعادة تشكيل التحالفات، واحتواء قوى المعارضة، الأمر الذي جعل فرض إصلاح دستوري شامل من خارج المؤسسات أمرا بالغ التعقيد.
ويرتبط بذلك انتقاد آخر يتمثل في غياب تصور عملي واضح لأدوات التغيير. فالجماعة تراهن على بناء مجتمع قوي قادر على فرض الإصلاح من الأسفل، لكنها لا تقدم تصورا مفصلا للكيفية التي يتحول بها هذا المجتمع إلى قوة سياسية تمتلك القدرة على إلزام الدولة بإعادة صياغة قواعد النظام السياسي. ورغم أن البناء التربوي والتنظيمي يمثل ركيزة مهمة في تكوين الحركات الاجتماعية، فإن الانتقال السياسي يتطلب، في العادة، أدوات تفاوض فعالة، وتحالفات سياسية، ومؤسسات قادرة على التأثير في صناعة القرار، إضافة إلى استراتيجيات واضحة لإدارة مراحل الانتقال وموازين القوى. ويلاحظ عدد من الباحثين أن الأدبيات السياسية للجماعة لا تقدم معالجة تفصيلية لهذه الجوانب، وهو ما يجعل مشروعها أقرب إلى تصور أخلاقي للتغيير منه إلى برنامج سياسي متكامل يحدد الوسائل والإجراءات العملية اللازمة لتحقيقه.
ومن النتائج المترتبة على هذا الاختيار الاستراتيجي استمرار الجماعة خارج المؤسسات الرسمية ومواقع اتخاذ القرار، نتيجة مقاطعتها للانتخابات والهيئات المنتخبة. وقد منحها هذا الموقف قدرا من الاستقلالية التنظيمية، وجنبها تحمل مسؤولية الإخفاقات التي عرفتها المؤسسات السياسية، لكنه في المقابل حرمها من التأثير المباشر في صناعة السياسات العمومية والتشريعات والإصلاحات الدستورية. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال الحراك الذي عرفه المغرب سنة 2011، حيث ساهمت الجماعة بفاعلية في تعبئة الشارع ضمن حركة 20 فبراير، غير أن انسحابها لاحقا حال دون ترجمة حضورها الشعبي إلى مكاسب سياسية أو إصلاحات تعاقدية تنسجم مع رؤيتها، وهو ما يعكس محدودية التأثير الذي يمكن أن تحققه التعبئة المجتمعية عندما لا تقترن بآليات مؤسسية للتفاوض وصناعة القرار.
ويضاف إلى ذلك أن المشروع السياسي للجماعة لا يزال، في نظر منتقديه، يفتقر إلى تصور دستوري ومؤسساتي مكتمل المعالم. فعلى الرغم من كثرة الحديث عن الميثاق السياسي، والحكم الراشد، والشورى، والتعاقد، والعدل، فإن هذه المفاهيم تبقى في الغالب إطارا قيميا عاما لا يتحول إلى نموذج دستوري محدد يوضح شكل النظام السياسي المنشود، وحدود صلاحيات رئيس الدولة، وآليات توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وطبيعة العلاقة بين المرجعية الإسلامية والتشريع، وكيفية ضمان الحقوق والحريات العامة والفردية، وحماية حقوق الأقليات، إضافة إلى ملامح النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تدعو إليه الجماعة. ويؤدي غياب هذا التفصيل إلى اتساع دائرة التأويلات، سواء داخل الجماعة أو لدى خصومها، ويجعل المشروع السياسي أقرب إلى رؤية معيارية عامة منه إلى برنامج دستوري قابل للتطبيق.
كما يثير موقف الجماعة من النظام الملكي نقاشا واسعا بسبب ما يكتنف خطابها من قدر من الغموض. فالجماعة تؤكد في بياناتها الرسمية أن اعتراضها ينصب على طبيعة توزيع السلطة وآليات الحكم، وليس على الأشخاص أو المؤسسة الملكية في حد ذاتها، وتدعو إلى نظام تعاقدي يختار فيه الشعب شكل الحكم وصلاحيات المؤسسات. غير أن هذا الخطاب ظل قابلا لتفسيرات متباينة، إذ يرى بعض المراقبين أن رفضها للدستور القائم ولمركزية السلطة التنفيذية يفيد ضمنا رفضها للنظام الملكي، بينما تؤكد الجماعة أن اعتراضها يقتصر على نمط ممارسة السلطة وليس على وجود المؤسسة الملكية نفسها. ويزداد هذا الالتباس بسبب استعمالها تعبيرات عامة من قبيل النظام التعاقدي الجديد دون بيان ما إذا كانت ترى إمكان استمرار الملكية في إطار ملكية دستورية برلمانية أو تتبنى نموذجا سياسيا مختلفا، فضلا عن وجود تباين أحيانا بين الخطاب الرسمي وبعض المواقف الفردية الصادرة عن أعضاء أو متعاطفين معها، وهو ما يوسع مجال التأويل ويغذي استمرار الجدل حول طبيعة مشروعها السياسي.
وتبرز، أخيرا، مفارقة أساسية تتعلق بمنطق التغيير ذاته فالجماعة تشترط تحقق إصلاح سياسي ودستوري شامل قبل الانخراط في المؤسسات، في حين تكشف أغلب تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم أن الإصلاحات الكبرى جاءت نتيجة مشاركة تدريجية للقوى السياسية داخل المؤسسات، وتراكم الإصلاحات عبر الحوار والتفاوض، لا باعتبارها شرطا سابقا للمشاركة. ومن ثم، يرى منتقدو الجماعة أن اشتراط تحقق الإصلاح الكامل قبل الدخول في العملية السياسية يجعل مشروعها معلقا على شروط يصعب تحققها في الواقع، ويحد من قدرته على التحول إلى استراتيجية عملية للتغيير.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن التحدي الرئيس الذي يواجه نظرية التغيير التعاقدي لا يكمن في أهدافها المعلنة، إذ يصعب الاعتراض على قيم الحرية والعدل والحكم الرشيد، وإنما يتمثل في غياب تصور عملي لمسار الانتقال السياسي، وعدم تحديد الأدوات الواقعية القادرة على نقل المشروع من مستوى الخطاب النظري إلى مستوى الإنجاز المؤسسي. ولذلك بقي مشروع الجماعة، في تقدير كثير من الباحثين، مشروعا إصلاحيا يحمل مضمونا أخلاقيا وسياسيا مهما، لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من التفصيل الدستوري، والوضوح الاستراتيجي، وتحديد آليات الفعل السياسي، حتى يغدو بديلا سياسيا متكاملا وقابلا للتنفيذ.
رؤية التيار السلفي الجهادي للسلطة والتغيير السياسي
تمثل قضية السلطة أحد المحاور المركزية في الفكر السلفي الجهادي، إذ لا ينظر هذا التيار إلى الدولة باعتبارها مؤسسة لتنظيم الشأن العام فحسب، وإنما يعدها الأداة الأساسية لإقامة الدين وتطبيق الشريعة وتنفيذ الأحكام الشرعية. ومن ثم، فإن سؤال (من يحكم؟) يسبقه في أدبيات السلفية الجهادية سؤال (بما يحكم؟) وهو سؤال الشريعة.
وتقوم هذه الرؤية على مفهوم الحاكمية الذي بلوره عدد من المنظرين الإسلاميين، ثم أعاد منظرو السلفية الجهادية تفسيره بصورة أكثر ، حيث اعتبروا أن التشريع حق إلهي خالص، وأن إسناده إلى البرلمانات أو المؤسسات المنتخبة يمثل خروجا عن مقتضى التوحيد. ولذلك يرون أن الديمقراطية لا تمثل مجرد الية سياسية، بل هي ـ في تصورهم ـ نظام يمنح البشر حق التشريع، وهو ما يجعلها مرفوضة من حيث المبدأ.
ويقرر أبو محمد المقدسي في كتاب (ملة إبراهيم) أن الولاء يجب أن يكون للحاكمية الإلهية وحدها، وأن الأنظمة التي تعتمد القوانين الوضعية قد فقدت شرعيتها الدينية في نظره. كما يؤكد في كتاب "الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية" أن الاحتكام إلى القوانين الوضعية يناقض أصل الحكم بما أنزل الله، وهو ما استخدم في بناء الموقف الرافض للأنظمة السياسية المعاصرة. أما عبد القادر بن عبد العزيز، فيرى في كتاب (العمدة في إعداد العدة) أن إقامة الدولة الإسلامية لا تتحقق بالمشاركة السياسية، وإنما بإيجاد القوة القادرة على إزالة الأنظمة القائمة، وأن الدعوة وحدها لا تكفي ما لم تسندها القدرة السياسية والعسكرية.
ويذهب أيمن الظواهري في كتاب (فرسان تحت راية النبي) إلى أن المشاركة في البرلمانات تمثل اعترافا بشرعية الأنظمة القائمة، ويرى أن التغيير الحقيقي يبدأ بإسقاط هذه الأنظمة ثم إقامة حكم إسلامي جديد. ويؤكد في كتاب (الحصاد المر) أن تجربة الحركات الإسلامية المشاركة في الانتخابات أثبتت ـ من وجهة نظره ـ فشلها في إقامة الشريعة، لأن الأنظمة القائمة قادرة على احتواء المعارضة أو إقصائها. كما يهاجم أبو مصعب السوري في كتابه الضخم (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) مفهوم التغيير عبر المؤسسات، معتبرا أن التجارب الانتخابية التي خاضتها بعض الحركات الإسلامية أدت إلى استنزافها سياسيا وأمنيا دون أن تحقق هدف إقامة الدولة الإسلامية. ولذلك يدعو إلى بناء القوة أولا قبل التفكير في إدارة الدولة.
ويقدم أبو بكر ناجي في كتاب (إدارة التوحش) تصورا أكثر تفصيلا لمسألة السلطة، إذ يقسم مراحل الوصول إلى الحكم إلى ثلاث مراحل رئيسة، تبدأ بإنهاك الأنظمة القائمة واستنزاف قدراتها، ثم إدارة المناطق التي تخرج عن سيطرة الدولة فيما يسميه (مرحلة التوحش)، وصولا إلى الانتقال إلى إقامة الدولة الإسلامية بعد تثبيت السيطرة الأمنية والعسكرية. ويكشف هذا التصور أن السلطة في الفكر الجهادي ليست نتيجة لعملية سياسية، وإنما ثمرة لمسار عسكري طويل يهدف إلى خلق واقع جديد يفرض نفسه بالقوة. ويؤكد عبد الله عزام في كتاب (الدفاع عن أراضي المسلمين) أهمية إعداد القوة بوصفها مقدمة لنهضة الأمة، إلا أن تركيزه كان منصبا على قتال الاحتلال الأجنبي أكثر من بناء الدولة، وهو ما يميز مرحلته الفكرية عن الجيل اللاحق من منظري السلفية الجهادية الذين جعلوا إقامة الدولة الهدف المباشر للعمل المسلح.
وفي هذا السياق، يعد رفض الديمقراطية والانتخابات من أكثر القضايا حضورا في الأدبيات الجهادية. فالتيار يرى أن البرلمانات تمارس سلطة التشريع، بينما يعتبر أن التشريع حق إلهي لا يجوز للبشر ممارسته. ولهذا يرفض تأسيس الأحزاب السياسية، والمشاركة في الانتخابات، والعمل البرلماني، والتعددية الحزبية، والدساتير الوضعية، معتبرا أن هذه الوسائل تمنح الأنظمة القائمة شرعية لا تستحقها، وأنها تؤدي إلى دمج الحركات الإسلامية داخل النظام بدلاً من تغييره. ولهذا انتقد منظرو القاعدة تجربة جماعة الإخوان المسلمين، معتبرين أن المشاركة السياسية قادت إلى التنازل التدريجي عن المشروع الإسلامي، واستشهدوا بتجارب عدد من الدول العربية باعتبارها دليلا على محدودية التغيير من داخل المؤسسات.
ويختلف ترتيب الأولويات بين الحركات الإسلامية والسلفية الجهادية بصورة واضحة، فالحركات الإصلاحية ترى أن إصلاح المجتمع يسبق إقامة الدولة، بينما يرى التيار الجهادي أن إقامة الدولة هي التي تتيح إصلاح المجتمع. ولهذا يردد منظروه أن الحدود والقضاء والتعليم والاقتصاد الإسلامي لا يمكن تطبيقها قبل السيطرة على السلطة السياسية، لأن الدولة هي التي تمتلك أدوات التنفيذ والإلزام. ويعبر عن ذلك أبو بكر ناجي بقوله إن المجتمع لا يستقر على الشريعة إلا إذا سبقه استقرار أمني تفرضه سلطة قوية قادرة على احتكار القوة.
ويفسر التيار الجهادي مفهوم (التمكين) تفسيرا سياسيا وعسكريا في المقام الأول، إذ يرى أن التمكين يمر بعدة مراحل تبدأ بتكوين جماعة عقائدية، ثم إعداد القوة العسكرية، فالسيطرة على الأرض، ثم إقامة الإدارة، وإعلان الدولة، وتطبيق الشريعة، وأخيرا التوسع لحماية الدولة الجديدة. ويختلف هذا الفهم عن تفسير الحركات الإسلامية الإصلاحية التي تربط التمكين بالإصلاح المجتمعي التدريجي أو بناء الشرعية الشعبية.
ويستشهد منظرو التيار الجهادي بعدد من التجارب المعاصرة لتأكيد أطروحتهم، مع اختلاف كبير بين هذه التجارب في ظروفها وسياقاتها. فطالبان تقدم في بعض الأدبيات الجهادية بوصفها مثالا على الوصول إلى السلطة بعد صراع عسكري طويل، حيث سبقت السيطرة الميدانية بناء مؤسسات الحكم. أما تنظيم الدولة الإسلامية فقد مثل محاولة لإعلان دولة بصورة سريعة اعتمادا على السيطرة العسكرية، غير أن التجربة انتهت بانهيار واسع نتيجة عوامل داخلية وخارجية، وهو ما جعل كثيرا من الباحثين يعدونها مثالا على حدود استراتيجية التمكين القائم على القوة وحدها. وشهدت هيئة تحرير الشام من جهتها تحولا من التركيز على العمل العسكري إلى ممارسة أنماط من الإدارة المدنية والانخراط في تفاعلات سياسية محلية، ما دفع بعض الباحثين إلى الحديث عن براغماتية متزايدة، في حين يرى آخرون أن هذا التحول لا يعني تخليها الكامل عن منطلقاتها الفكرية الأولى.
وتكشف هذه الرؤية أن التيار السلفي الجهادي يقلب ترتيب عملية التغيير مقارنة بالحركات الإسلامية الإصلاحية فهو يجعل السلطة منطلق الإصلاح لا نتيجته، ويمنح الشرعية الأولوية على التوافق الشعبي، ويربط التمكين بالسيطرة الميدانية قبل بناء المؤسسات. غير أن هذا التصور تعرض لانتقادات واسعة في الدراسات الأكاديمية إذ يرى باحثون أن ربط الشرعية بالغلبة العسكرية يفضي إلى إضعاف مفهوم الرضا الشعبي، وأن اختزال التغيير في السيطرة على السلطة يغفل تعقيد بناء الدولة الحديثة، الذي يتطلب مؤسسات مستقرة، وتوافقا مجتمعيا، وشرعية قانونية، وقدرة على إدارة التنوع السياسي والاجتماعي. كما أن تجارب التنظيمات الجهادية أظهرت تفاوتا كبيرا في النتائج، ولم تنتج نموذجا واحدا قابلا للتعميم، الأمر الذي يجعل تقييمها محل نقاش مستمر في الأدبيات المتخ
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك