أنتلجنسيا:أبو جاسر
بينما كانت الأنظار مشدودة إلى الحدود الشمالية للمملكة عقب واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، تفاجأ الرأي العام المغربي بظهور رئيس الحكومة عزيز أخنوش في جزيرة مايوركا الإسبانية لقضاء عطلته الصيفية، في مشهد أثار سيلاً من الانتقادات والتساؤلات حول موقع المسؤولية السياسية في لحظة وصفت بأنها من أكثر اللحظات حساسية في السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي كانت فيه صور آلاف الشباب المغاربة وهم يتدفقون نحو سبتة تملأ شاشات العالم، وتتصدر الأزمة عناوين الصحف الأوروبية، كان المغاربة ينتظرون خروج رئيس حكومتهم بتوضيح أو مبادرة أو حتى رسالة طمأنة للرأي العام. غير أن الصمت كان سيد الموقف، بينما اختار رئيس السلطة التنفيذية الابتعاد عن واجهة الأحداث والتوجه إلى وجهة سياحية فاخرة خارج البلاد.
المفارقة التي زادت من حدة الجدل تمثلت في المقارنة التي عقدها كثيرون بين سلوك أخنوش وموقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. فالأخير قطع عطلته الصيفية بشكل فوري، وانتقل ميدانياً إلى سبتة لمتابعة تطورات الأزمة عن قرب، كما نزل عدد من كبار المسؤولين الإسبان إلى الميدان، وفي مقدمتهم وزير الداخلية ومسؤولون أمنيون وعسكريون، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة حاضرة في قلب الحدث مهما كانت الظروف.
أما في المغرب، فقد بدا المشهد مختلفاً تماماً. إذ لم يظهر رئيس الحكومة في الواجهة السياسية أو الإعلامية بالشكل الذي ينسجم مع حجم الأزمة وتداعياتها الإنسانية والدبلوماسية والأمنية. وهو ما دفع عدداً من المتابعين إلى التساؤل حول معنى المسؤولية السياسية في مثل هذه اللحظات، خاصة وأن الأمر يتعلق بملف تحول إلى قضية دولية استقطبت اهتمام الحكومات الأوروبية ووسائل الإعلام العالمية.
ولم تكن أحداث سبتة مجرد واقعة عابرة أو حادثاً محدوداً يمكن تجاوزه بسهولة، بل شكلت صدمة حقيقية بعدما خلفت ضحايا ومفقودين وأعادت طرح أسئلة مؤلمة حول أوضاع الشباب المغربي وآفاقه المستقبلية، فضلاً عن تداعياتها على العلاقات المغربية الإسبانية وصورة المملكة في الخارج. وهي معطيات جعلت كثيرين يعتبرون أن الظرفية كانت تستوجب حضوراً سياسياً قوياً لرئيس الحكومة وليس الغياب عنها.
ويرى منتقدون أن رئيس الحكومة لا يدير مؤسسة عادية يمكن أن تتوقف أو تؤجل مهامها خلال العطل، بل يقود السلطة التنفيذية في بلد يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متزايدة، ما يجعل حضوره خلال الأزمات الكبرى جزءاً من واجباته السياسية والأخلاقية قبل أن يكون مجرد خيار شخصي مرتبط ببرنامج عطلته الصيفية.
كما أثارت الوجهة المختارة بدورها الكثير من علامات الاستفهام، إذ يتعلق الأمر بإسبانيا نفسها، الدولة التي كانت تعيش على وقع تداعيات أزمة سبتة، والتي شهدت تعبئة سياسية وأمنية واسعة لمواجهة الوضع. وهو ما جعل صور أخنوش في مايوركا تُستقبل بغضب لدى فئات واسعة اعتبرت أن التوقيت كان سيئاً للغاية، وأن الرسالة التي وصلت إلى المواطنين كانت سلبية في لحظة كانوا ينتظرون فيها حضوراً رسمياً يواكب الأزمة.
وبينما تتواصل النقاشات حول المسؤوليات السياسية المرتبطة بما وقع في سبتة، عاد ملف ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى الواجهة بقوة، وسط مطالب بضرورة ترسيخ ثقافة سياسية تجعل المسؤولين في الصفوف الأمامية خلال الأزمات، لا في المنتجعات السياحية البعيدة عن نبض الشارع وهموم المواطنين.
لقد أظهرت أزمة سبتة، مرة أخرى، أن الرأي العام لا يحاسب المسؤولين فقط على القرارات التي يتخذونها، بل أيضاً على مواقفهم ورمزية حضورهم في اللحظات المفصلية. ولذلك فإن غياب رئيس الحكومة عن واجهة واحدة من أخطر الأزمات التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة قد يتحول إلى عنوان سياسي ثقيل سيظل يلاحقه طويلاً، خصوصاً في ظل المقارنات المتزايدة مع الطريقة التي تعامل بها المسؤولون الإسبان مع الحدث نفسه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك