أنتلجنسيا:أبو آلاء
رغم الارتفاع المتواصل في المداخيل الجبائية وتوسيع دائرة التحصيل الضريبي، يبدو أن مالية الدولة المغربية تدخل منطقة ضغط جديدة، بعدما كشفت الأرقام الرسمية عن اتساع مقلق لعجز الميزانية خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، في مشهد يطرح أسئلة ثقيلة حول فعالية السياسات المالية وقدرة الحكومة على ضبط التوازنات وسط سياق اقتصادي واجتماعي متوتر.
المعطيات الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة أظهرت أن عجز الميزانية بلغ إلى غاية متم أبريل 15,5 مليار درهم، بزيادة لافتة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، حين استقر العجز عند 11,8 مليار درهم، ما يعني أن الفجوة المالية تتسع بوتيرة أسرع رغم المؤشرات التي تتحدث عن تحسن بعض الموارد.
هذا العجز المالي يأتي رغم تسجيل ارتفاع في المداخيل العادية للدولة التي بلغت 154,3 مليار درهم، مدفوعة أساساً بزيادة الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وارتفاع الرسوم الجمركية ورسوم التسجيل والتنبر، في مؤشر يعكس استمرار الضغط الجبائي وتحسن قدرة الدولة على التحصيل، لكن أيضاً اتساع العبء الضريبي الذي يتحمله الاقتصاد والمستهلكون بشكل غير مباشر.
في المقابل، واصلت النفقات العمومية صعودها بوتيرة أقوى، بعدما تجاوزت 219 مليار درهم خلال الأشهر الأولى من السنة، مدفوعة بارتفاع مصاريف التسيير والاستثمار بشكل لافت، وهو ما ساهم في تعميق الفجوة بين المداخيل والمصاريف، رغم تسجيل تراجع طفيف في بعض تكاليف الدين العمومي.
ورغم محاولة الأرقام الرسمية تقديم صورة أقل قتامة عبر الإشارة إلى فائض مهم سجلته الحسابات الخاصة للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، فإن المؤشر الأكثر إثارة للانتباه يبقى استمرار ارتفاع فوائد الدين، ما يعني أن كلفة الاقتراض لا تزال تضغط على المالية العمومية، حتى مع انخفاض جزئي في سداد أصل بعض الديون الداخلية.
وفي قلب هذا المشهد المالي المعقد، يبرز تناقض يثير الكثير من التساؤلات: كيف ترتفع المداخيل الضريبية بوتيرة مهمة، بينما يزداد العجز المالي اتساعاً؟ سؤال يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الإنفاق العمومي، ومدى قدرة الحكومة على تحويل الموارد المتزايدة إلى توازن مالي حقيقي ينعكس على الاقتصاد والمجتمع.
اللافت أيضاً أن نسبة تنفيذ النفقات والاستثمارات تسير بوتيرة متقدمة مقارنة بالسنة الماضية، ما يعكس تسارع الالتزامات المالية للدولة، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة أمام تحدي ضمان مردودية هذه النفقات، خصوصاً في ظل ضغط اجتماعي متزايد ومطالب متصاعدة بتحسين الخدمات الأساسية والقدرة الشرائية.
وبين لغة الأرقام الرسمية التي تتحدث عن تحسن الموارد، وواقع العجز الذي يواصل التوسع، تبدو الحكومة أمام معادلة صعبة: كيف يمكن إقناع المغاربة بجدوى التضحيات الضريبية إذا كانت الخزينة لا تزال تغرق أكثر في العجز، بينما يشعر المواطن أن أثر هذه المليارات لا يصل بالقدر الكافي إلى حياته اليومية؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك