أنتلجنسيا:أبو فراس
بينما يزداد ضغط الأسعار على جيوب المغاربة وتتسع فجوة القلق الاجتماعي، اختارت الحكومة أن تواجه موجة الغضب بلغة الأرقام لا بلغة الحلول، واضعة الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع في واجهة المشهد، ليس باعتباره رجل سياسة يشرح كيف ستخفف الدولة وطأة الغلاء، بل كمهندس مالي يتقن إعادة صياغة الأزمات داخل جداول تقنية معقدة تُربك الخصوم أكثر مما تُقنع الشارع.
داخل قبة البرلمان، بدا النقاش حول الارتفاع الصاروخي لأسعار المحروقات وكأنه انزلق من سؤال المواطن البسيط: “لماذا أصبح ملء خزان السيارة يستنزف الراتب؟” إلى درس اقتصادي مطول عن التوازنات المالية والاحتياطات النقدية وتقلبات الأسواق الدولية. وبينما كان الرأي العام ينتظر أجوبة مباشرة حول الزيادات المتتالية في أسعار الغازوال، جرى توجيه البوصلة نحو مؤشرات الاقتصاد الكلي، من احتياطي العملة الصعبة إلى مؤشرات “صلابة” المالية العمومية.
الخطاب الحكومي، كما عكسه تدخل لقجع، بدا وكأنه يعتمد مقاربة تقوم على نقل مركز النقاش من الداخل إلى الخارج، عبر ربط الأزمة بعوامل جيوسياسية عالمية، بدءاً من تقلبات سوق النفط وصولاً إلى التوترات التي تهدد طرق الطاقة الدولية. وبهذا المنطق، تتحول معاناة الأسر مع كلفة النقل والمعيشة إلى انعكاس “طبيعي” لتحولات لا تتحكم فيها الدولة، أكثر من كونها نتيجة خيارات اقتصادية أو تدبيرية محلية قابلة للنقد والمساءلة.
غير أن هذه المقاربة التكنوقراطية لا تمر دون انتقادات، إذ يرى متابعون أن الإغراق في لغة الإحصاء والتوقعات الاقتصادية قد يُستخدم أحياناً كوسيلة لتخفيف الضغط السياسي، عبر استبدال النقاش حول أثر الغلاء على الحياة اليومية بسرد تقني يصعب على الرأي العام تفكيكه أو محاسبته.
وتبرز هنا مفارقة يصفها منتقدون بأنها جوهر الأزمة: كيف يمكن الحديث عن اقتصاد يوصف بالمتماسك، وتوقعات نمو مرتفعة، بينما لا تزال قطاعات واسعة من المواطنين تئن تحت وطأة الأسعار، وتواجه صعوبات متزايدة في تغطية الاحتياجات الأساسية؟ فالأرقام التي تُعرض داخل المؤسسات قد توحي بصورة مطمئنة، لكن انعكاسها على القدرة الشرائية يظل السؤال الأكثر إلحاحاً.
كما يُثار نقاش متزايد حول طبيعة النمو الاقتصادي نفسه، ومدى ارتباطه بعوامل ظرفية مثل الموسم الفلاحي وتقلبات الإنتاج الزراعي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن هشاشة نموذج اقتصادي لا يزال جزء من توازنه مرتبطاً بعوامل مناخية أكثر من اعتماده على تحول إنتاجي عميق ومستدام.
وفي النهاية، يبدو أن الهوة بين “مغرب المؤشرات” و”مغرب الأسواق” تتسع أكثر من أي وقت مضى؛ فبين لغة الأرقام المطمئنة القادمة من الرباط، وواقع الأسر التي تُعيد حساب مصاريفها أمام كل زيادة جديدة، يبقى التحدي الحقيقي ليس في إقناع المواطنين بأن الاقتصاد بخير، بل في جعلهم يشعرون بذلك داخل بيوتهم ومحافظهم اليومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك