أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
تتزايد المخاوف
بشأن الارتفاع المتواصل لأسعار الأسماك الشعبية التي ظلت لعقود تشكل ملاذاً غذائياً
للأسر محدودة الدخل في المغرب، بعدما أصبحت أنواع عادية مثل السردين والقبيلة والسمكة
والبواجو والفرخ بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين، رغم أنها ليست من الأصناف
الفاخرة أو مرتفعة الجودة التي تستهدف المطاعم الراقية والأسواق الخارجية، بل من المنتجات
التي اعتادت الأسر البسيطة الاعتماد عليها لتأمين وجباتها اليومية.
وتشير المعطيات
المتداولة في أوساط المهنيين والمستهلكين إلى أن أسعار هذه الأصناف تتراوح في بعض الأسواق
بين 30
و100 درهم، بحسب النوع والجودة
والمنطقة، وهو مستوى يطرح علامات استفهام كبيرة حول قدرة الفقراء والعمال وذوي الدخل
المحدود على مواصلة اقتناء الأسماك، بعدما تحولت مادة غذائية أساسية إلى منتج يصعب
إدراجه ضمن الميزانية اليومية لكثير من الأسر، خصوصاً تلك التي تعيل أطفالاً وتواجه
في الوقت نفسه ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويعيد هذا الوضع
إلى الواجهة النقاش حول أولوية تزويد السوق الداخلية بالمنتجات البحرية قبل توجيه كميات
مهمة منها نحو التصدير، إذ يرى مستهلكون أن الاستفادة من الثروة السمكية الوطنية ينبغي
ألا تظل مرتبطة بقدرة الأسواق الخارجية على دفع أسعار أعلى، بينما يجد المواطن المغربي
نفسه عاجزاً عن اقتناء أصناف عادية من السمك الذي يتم صيده من سواحل بلاده، في مفارقة
تثير الكثير من الاستياء والشعور بعدم الإنصاف.
ولا يتعلق مطلب
الأسر الفقيرة بالحصول على الأسماك الفاخرة أو الأصناف مرتفعة الثمن التي تستقطب المطاعم
الكبرى والأسواق العالمية، وإنما يتعلق أساساً بضمان توفر الأنواع الشعبية بأسعار معقولة،
حتى تتمكن من توفير وجبات متوازنة لأطفالها، فالسردين وباقي الأسماك العادية كانت بالنسبة
إلى شرائح واسعة بديلاً غذائياً واقتصادياً عن اللحوم، غير أن ارتفاع أسعارها يهدد
بحرمان هذه الفئات من مصدر مهم للبروتين.
وفي المقابل، يطرح
الغلاء المتزايد تساؤلات حول فعالية إجراءات مراقبة أسواق السمك، ومدى قدرة الجهات
المعنية على تتبع مسار المنتوج من موانئ الصيد إلى أسواق الجملة والتقسيط، ورصد الوسطاء
والمضاربات التي قد تساهم في تضخيم الأسعار، فضلاً عن ضرورة توضيح العلاقة بين حجم
المصطادات الموجهة للتصدير والكميات المخصصة للاستهلاك المحلي، حتى لا يبقى المواطن
الحلقة الأضعف في سلسلة تسويق الثروة البحرية.
وتتجه الانتقادات
إلى السياسات الحكومية التي يعتبر مواطنون أنها لم تنجح بعد في ضمان أسعار مناسبة للأسماك
الشعبية، رغم الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع البحري في المغرب، وهو ما يجعل
الحاجة ملحة إلى إجراءات ملموسة تضمن تموين الأسواق الداخلية بانتظام، وتعزز الشفافية
في تحديد الأسعار، وتحمي المستهلكين من الممارسات غير المشروعة، بدل الاكتفاء بتدابير
لا يلمس المواطن أثرها على أرض الواقع.
إن استمرار هذا
الوضع يهدد بتحويل الثروة البحرية من مصدر للغذاء والأمن الاجتماعي إلى امتياز لا تستفيد
منه إلا الفئات القادرة على تحمل الأسعار المرتفعة، بينما يظل الفقراء أمام خيارات
غذائية محدودة تتقلص يوماً بعد آخر، فليس من المقبول أن يعجز المواطن عن شراء سمك عادي
من مياه بلاده، في وقت يفترض أن تكون فيه خيرات البحر رافعة للتنمية وضماناً للعيش
الكريم، لأن رحمة الناس وتيسير قوتهم يجلبان البركة، أما الغلاء فيعمق الفقر ويزيد
الأعباء والبلاء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك