أنتلجنسيا:أبو جاسر
أعاد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، خلال المقابلة الخاصة التي بثتها القناة الثانية المغربية، تحديد ملامح المقاربة التي يعتزم المغرب اعتمادها في المرحلة المقبلة من قضية الصحراء المغربية، واضعاً التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن ومستقبل بعثة المينورسو ضمن سياق أوسع يرتبط بمراجعة أسس تدبير الملف والانتقال إلى مسار سياسي يستند إلى مرجعيات واضحة وأهداف محددة.
وركز بوريطة في حديثه على أن التحرك المغربي لا ينحصر في التعامل مع تداعيات الفيتو الروسي ضد مشروع القرار الأمريكي، ولا يتوقف عند مستقبل البعثة الأممية، بل يرتبط بتصور أشمل للمرحلة المقبلة، يقوم على مواصلة الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والاستفادة من التحولات التي يقول المغرب إنها شهدتها مواقف عدد من القوى الدولية تجاه القضية الوطنية.
واختصر الوزير هذه المقاربة في الدعوة إلى «الانتقال من التدبير إلى التغيير»، في إشارة إلى رغبة الرباط في تجاوز آليات التعامل التقليدية مع الملف، والدفع نحو صيغة تفاوضية أكثر وضوحاً بشأن المرجعية السياسية للحل والأطراف المعنية به والنتيجة المنتظرة منه.
وفي ما يتعلق بالتصويت الأخير داخل مجلس الأمن، أوضح بوريطة أن احتمال استخدام روسيا حق النقض كان حاضراً في حسابات الدبلوماسية المغربية، بما يعني أن الرباط لم تتعامل مع هذا السيناريو باعتباره تطوراً غير متوقع. ووفق التوضيحات التي قدمها الوزير، لم يكن تفادي الفيتو هدفاً مستقلاً عن مضمون مشروع القرار، كما لم يسع المغرب إلى تغيير مواقفه الأساسية لمجرد ضمان تمرير النص.
ويكشف هذا الموقف، بحسب التصور الذي عرضه بوريطة، أن الرهان المغربي لم يكن مقتصراً على تمديد ولاية بعثة المينورسو، وإنما شمل طبيعة القرار المنتظر والأسس التي ينبغي أن يقوم عليها المسار السياسي. فالمسألة، من وجهة نظر الرباط، تتجاوز اعتماد قرار أممي جديد إلى تحديد الإطار الذي ستجري ضمنه المفاوضات المقبلة.
وفي شرحه لمضمون مشروع القرار الأمريكي، أبرز الوزير أهمية تحديد المرجعية التي ستنطلق منها المفاوضات، والأطراف التي ستشارك فيها، والنتيجة السياسية التي ينبغي أن تستهدفها، إلى جانب القضايا الأخرى التي يرى المغرب ضرورة إدراجها في النقاش، ومن بينها الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف.
وشدد بوريطة على أن استئناف المسار السياسي ينبغي ألا يتحول إلى تكرار لاجتماعات ومشاورات لا تفضي إلى نتائج ملموسة، معتبراً أن وضوح المنطلقات والغايات يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق تقدم. وبهذا الطرح، تضع الرباط مسألة تحديد قواعد التفاوض في صلب النقاش حول مستقبل العملية السياسية، بدلاً من الاكتفاء باستمرار المسار بصيغته السابقة.
وفي ما يخص بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، أثار الوزير تساؤلات بشأن مدى ملاءمة الاسم والمهام المرتبطة بالبعثة للتطورات التي عرفها الملف على امتداد العقود الماضية، مستحضراً الصعوبات التي حالت دون تنظيم الاستفتاء الذي أُنشئت البعثة في سياقه.
كما تناول بوريطة ما تعتبره الرباط تراجعاً في فعالية بعض جوانب عمل البعثة، خاصة في ظل التطورات الميدانية التي أعقبت سنة 2020، وما رافقها من تحديات مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار. ومن خلال هذه الملاحظات، ربط الوزير النقاش حول المينورسو بسؤال أوسع يتعلق بمدى قدرة الآليات الأممية القائمة على مواكبة المرحلة الحالية، وليس بمجرد مراجعة تقنية لمهام بعثة دولية.
وبشأن عدم تجديد الولاية، أوضح بوريطة أن تدبير المرحلة التالية يستدعي مشاورات وترتيبات مع مجلس الأمن وإدارة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة، بالنظر إلى ما يرتبط بوجود البعثة من أفراد ومركبات وتجهيزات ومقار وعلامات ميدانية. وأكد أن التعامل مع هذه الجوانب يندرج ضمن الإجراءات المرتبطة بانتهاء الولاية، وليس في إطار وصف ما يجري بأنه طرد للبعثة.
وتطرق الوزير كذلك إلى الأبعاد السياسية والدبلوماسية للحضور الأممي في الصحراء، بما يشمله من تقارير دورية ومناقشات داخل مجلس الأمن ومتابعة للتطورات الميدانية والإنسانية. ويرى المغرب، وفق المقاربة التي عرضها بوريطة، أن مراجعة هذه العناصر يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يُناقش بها الملف على المستوى الدولي، غير أن أي تغيير في وضع البعثة أو مهامها يظل مرتبطاً بالإجراءات والقرارات المعنية داخل الأمم المتحدة.
وفي مقابل النقاش بشأن مستقبل المينورسو، جدد بوريطة التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 تحت السيادة المغربية تشكل المرجعية الأساسية التي تقترحها المملكة للتوصل إلى حل سياسي. وأوضح أن الرباط لا ترفض المفاوضات ولا تستبعد استمرار الدور الأممي، لكنها تتمسك بضرورة إجرائها وفق أسس واضحة وبهدف سياسي محدد.
وأضاف الوزير أن المغرب يعمل على تطوير مبادرة الحكم الذاتي وتحيينها بما يتيح تقديم تصور مفصل في إطار تفاوضي، معتبراً أن الوصول إلى تقدم يقتضي وجود أطراف مستعدة للانخراط في حوار جدي. ويعكس هذا الموقف تمسك المملكة بمواصلة المسار السياسي، مع رفض العودة إلى مفاوضات لا تتحدد فيها بصورة دقيقة طبيعة الحل المنتظر والمرجعية التي ستؤطره.
وفي معرض حديثه عن التحولات التي عرفتها القضية على المستوى الدولي، ربط بوريطة المواقف التي يستند إليها المغرب بما وصفه بتراكم دبلوماسي تحقق خلال السنوات الماضية تحت قيادة الملك محمد السادس. واستحضر في هذا السياق مواقف الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، إلى جانب فتح قنصليات بالأقاليم الجنوبية وتطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع عدد من الشركاء.
كما أبرز الوزير أهمية المشاريع التنموية والبنيات التحتية والاستثمارات التي شهدتها الأقاليم الجنوبية، معتبراً أن الحضور الدبلوماسي والعمل الاقتصادي يشكلان جانبين متكاملين في المقاربة المغربية. ووفق هذا التصور، فإن التحرك بشأن الصحراء لا يقتصر على المؤسسات الدولية والمفاوضات السياسية، بل يشمل أيضاً تعزيز التنمية وترسيخ الارتباط الاقتصادي والمؤسساتي بالأقاليم الجنوبية.
وعلى المستوى الإقليمي، تناول بوريطة المواقف الصادرة عن الخارجية الجزائرية في أعقاب التطورات الأخيرة، ووجه انتقادات إلى ما اعتبره تبايناً بين بعض التصريحات والمواقف المتخذة داخل مجلس الأمن. كما دعا إلى قراءة المواقف الدولية وفق مضامينها الفعلية، بعيداً عن التأويلات التي لا تستند إلى ما ورد في النصوص والمواقف الرسمية.
وفي هذا الإطار، ربط الوزير النقاش بشأن الفيتو الروسي بالمسؤولية السياسية عن تعطيل مشروع القرار الأمريكي، دون أن يعني ذلك أن نتائج التصويت وحدها تحسم مستقبل المسار السياسي أو تحدد بصورة نهائية طبيعة الترتيبات الأممية المقبلة. ويظل تقييم المواقف الإقليمية والدولية، في هذا السياق، مرتبطاً بما صدر عن الأطراف المعنية وبالقرارات التي يمكن أن يتخذها مجلس الأمن لاحقاً.
وحرص بوريطة، في المقابل، على الفصل بين مستقبل بعثة المينورسو والالتزام بوقف إطلاق النار، مؤكداً استمرار الموقف المغربي المعلن بشأن هذا الالتزام. ويكتسي هذا التمييز أهمية في ظل النقاش الدائر حول تداعيات عدم تجديد الولاية، لأن انتهاء ولاية البعثة لا يعني، في حد ذاته، انتهاء الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار أو حسم جميع القضايا المتصلة بالوضع الميداني.
وفي ختام المقابلة، عبر الوزير عن ثقة المغرب في مؤسساته وفي التوجيهات الملكية والثوابت الوطنية، مؤكداً استمرار العمل الدبلوماسي لمواكبة التطورات المقبلة. وتنسجم هذه الرسالة مع مجمل مواقفه خلال الحوار، التي ركزت على مواصلة الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، وتطوير شروط التفاوض، والتعامل مع مستقبل الحضور الأممي في ضوء المستجدات السياسية والقانونية.
وبذلك، وضعت تصريحات بوريطة ثلاثة ملفات مترابطة في واجهة المرحلة المقبلة: مستقبل بعثة المينورسو بعد تعثر تمديد ولايتها، وشروط استئناف المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، ومواصلة الدفع بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساس الحل الذي تقترحه المملكة. أما مدى انعكاس هذه التوجهات على القرارات الأممية المقبلة، فسيظل رهيناً بالتطورات الدبلوماسية والمواقف التي ستعبر عنها الأطراف المعنية داخل مجلس الأمن وخارجه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك