أنتلجنسيا:أبو جاسر
كشفت الأرقام الرسمية المضمنة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن تراجع حاد في حصيلة برامج التكوين التعاقدي الموجهة إلى إدماج الشباب في سوق الشغل، بعدما فقد هذا الورش خلال سنة 2025 نحو 92 في المائة من مستفيديه مقارنة بالسنة السابقة، في مؤشر يسلط الضوء على حجم التراجع الذي طال أحد الآليات المعتمدة لتأهيل الباحثين عن فرص العمل ورفع جاهزيتهم المهنية.
وأبرز تقرير صادر عن وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، حول الحسابات الخصوصية للخزينة، أن عدد المستفيدين من التكوين التعاقدي من أجل الإدماج المهني انخفض من 18 ألفا و109 مستفيدين سنة 2024 إلى 1451 مستفيدا فقط خلال سنة 2025، وهو تراجع يعكس تقلصا كبيرا في وتيرة تنفيذ هذا البرنامج.
وتزامن هذا الانكماش مع انخفاض ملحوظ في الاعتمادات المالية الموجهة إلى صندوق النهوض بتشغيل الشباب، إذ لم تتجاوز نفقاته 776,65 مليون درهم خلال سنة 2025، مقابل 1420,76 مليون درهم سنة 2024، و1578,65 مليون درهم سنة 2023، مسجلة بذلك تراجعا سنويا يقارب 45 في المائة.
وامتدت آثار هذا التراجع إلى مختلف مكونات برامج «تأهيل»، التي فقدت بدورها نسبة كبيرة من المستفيدين، بعدما انتقل عددهم الإجمالي من 18 ألفا و184 مستفيدا سنة 2024 إلى 1488 مستفيدا خلال السنة الموالية، مقابل 14 ألفا و713 مستفيدا سنة 2023.
وسجل التكوين التأهيلي بدوره تراجعا لافتا، إذ تقلص عدد المستفيدين منه من 693 شخصا سنة 2023 إلى 75 مستفيدا سنة 2024، قبل أن يستقر عند 37 مستفيدا فقط خلال سنة 2025، بما يعكس محدودية الاستفادة من هذا المسار الموجه لتعزيز المؤهلات المهنية وتسهيل الولوج إلى فرص العمل.
وطال الانخفاض أيضا برامج التكوين المرتبطة بالقطاعات الاقتصادية الواعدة، حيث تراجع عدد المستفيدين من 8963 شخصا سنة 2024 إلى 5677 خلال سنة 2025، بعدما بلغ 8767 مستفيدا سنة 2023، في وقت توزعت فيه الاستفادة على أنشطة صناعية وخدماتية تتقدمها صناعة السيارات، تليها خدمات ترحيل الأنشطة وصناعة الطيران.
وأوضح التقرير أن المستفيدين من هذه التكوينات تلقوا دورات تستهدف تطوير كفاءاتهم التقنية والتدبيرية، بما يستجيب لحاجيات المقاولات العاملة في القطاعات ذات القيمة المضافة، غير أن الأرقام المسجلة تعكس تراجع نطاق الاستفادة من هذه البرامج خلال السنة المعنية.
وأرجع التقرير هذا التراجع إلى إخضاع نظام التكوين التعاقدي من أجل التشغيل لمراجعة معمقة، تروم تحسين ملاءمته مع التوجهات الجديدة لخارطة الطريق المتعلقة بالتشغيل، دون أن يحدد موعدا لاستعادة البرنامج وتيرته السابقة أو يكشف عن أفق زمني واضح لعودة أعداد المستفيدين إلى مستوياتها المسجلة خلال السنوات الماضية.
وفي مقابل هذا التراجع، أظهرت المؤشرات الرسمية منحى تصاعديا في برنامج «إدماج»، الذي ارتفع عدد المستفيدين منه إلى 138 ألفا و573 شخصا سنة 2025، مقابل 125 ألفا و135 مستفيدا سنة 2024، محققا نموا بنسبة 10,74 في المائة، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد على هذا المسار في دعم الولوج إلى سوق الشغل.
وكشف التقرير، في هذا السياق، أن حصة التشغيل بالخارج ضمن برنامج «إدماج» بلغت 18 ألفا و167 مستفيدا خلال سنة 2025، بما يبرز اتساع نطاق الاستفادة من فرص الإدماج المهني خارج المغرب في إطار هذا البرنامج.
وعزز برنامج «تحفيز»، الموجه أساسا إلى تشجيع التشغيل داخل المقاولات حديثة النشأة، بدوره منحاه التصاعدي، بعدما ارتفع عدد المستفيدين منه إلى 24 ألفا و686 شخصا سنة 2025، مقابل 21 ألفا و577 مستفيدا سنة 2024، و18 ألفا و639 مستفيدا سنة 2023.
وأظهرت الحصيلة المرحلية برسم الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 استمرار نمو المستفيدين من برنامج «إدماج»، إذ بلغ عددهم 128 ألفا و111 شخصا إلى غاية متم غشت، مقابل 85 ألفا و746 مستفيدا خلال الفترة نفسها من سنة 2025، بزيادة تقارب 50 في المائة.
وتضع هذه المؤشرات مفارقة واضحة أمام حصيلة سياسات التشغيل بالمغرب، فمن جهة، تتواصل الزيادة في أعداد المستفيدين من برامج الإدماج والتحفيز، ومن جهة أخرى، يسجل التكوين التعاقدي والتأهيلي تراجعا حادا، بما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة البرامج الحالية على ضمان التوازن بين توفير فرص الشغل وتأهيل الباحثين عنه، ومدى نجاعة المراجعة الجارية في إعادة ربط التكوين بحاجيات سوق العمل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك