أنتلجنسيا:أبو جاسر
أثار مشروع قانون المالية المغربي لسنة 2027 ملف الامتيازات الضريبية والجمركية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، بعدما تضمن تدابير خاصة لفائدة الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» وعدد من الجهات المرتبطة بتنظيم البطولة، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول حدود هذه التسهيلات وحجم المستفيدين منها، فضلا عن انعكاساتها المحتملة على الموارد المالية للدولة.
وتتجاوز الإشكالية مجرد منح إعفاءات لهيئة رياضية دولية، إذ ترتبط أيضا بطبيعة الجهات التي يمكن أن تشملها التدابير، من اتحادات كروية وجهات للبث ومقدمي خدمات ومتعاقدين، وفق الشروط التي يحددها الإطار القانوني المقترح. ويعيد هذا التوجه إلى الواجهة تجارب دولية اختلفت في تعاملها مع المطالب المالية والضريبية المرتبطة باستضافة أكبر منافسة كروية في العالم.
وأظهرت التحضيرات لنسخة 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، أن مطالب «فيفا» بشأن الإعفاءات لا تحظى دائما بقبول كامل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتوسيع نطاق المستفيدين أو تحميل المدن المستضيفة التزامات مالية وقانونية إضافية.
ففي الولايات المتحدة، استفادت «فيفا» من وضع ضريبي معفى منذ مونديال 1994، غير أن هذا الامتياز لم يكن يشمل تلقائيا الاتحادات الوطنية الـ48 المشاركة في نسخة 2026. وذكرت صحيفة «الغارديان» في أبريل 2026 أن الاتحاد الدولي واجه صعوبات في الحصول على إعفاء شامل لهذه الاتحادات، الأمر الذي كان يمكن أن يعرّض بعض مداخيلها المرتبطة بالبطولة للضرائب، مع اختلاف الأعباء بحسب طبيعة الإيرادات والقواعد الضريبية المعمول بها.
وأعقب ذلك التوصل إلى مسار يتيح للاتحادات الوطنية التقدم بطلبات للاستفادة من الإعفاء من الضرائب الفيدرالية بموجب المادة 501(c)(3) من قانون الضرائب الأمريكي، لكن هذا الإجراء لا يعني حصول جميع الاتحادات على إعفاء تلقائي، كما لا يستبعد استمرار بعض الالتزامات الضريبية على مستوى الولايات والبلديات.
وامتد الخلاف الأمريكي إلى المدن المرشحة لاستضافة المباريات، إذ انسحبت شيكاغو سنة 2018 من سباق استضافة لقاءات مونديال 2026، في سياق اعتراضات على الشروط المالية والقانونية التي رافقت ملف الاستضافة. وعبّر مسؤولون محليون عن مخاوف من تحمل دافعي الضرائب أعباء إضافية، في ظل مطالب اعتُبرت مكلفة بالنسبة إلى المدن المعنية.
وفي كندا، برزت فانكوفر ضمن المدن التي أثارت تحفظات بشأن شروط الاستضافة، بما فيها الترتيبات الضريبية وبعض المقتضيات القانونية المرتبطة بالاتفاقات مع «فيفا». وانصبت المخاوف على احتمال تحميل المدينة والمال العام تكاليف ومخاطر يصعب تحديدها بصورة دقيقة قبل الالتزام بتلك الشروط.
وتكشف هذه التجارب أن الاعتراضات الأمريكية والكندية لم تكن رفضا مطلقا لكل إعفاء ضريبي، بل ارتبطت أساسا بنطاق الامتيازات المطلوبة، والجهات التي ستستفيد منها، وطبيعة الالتزامات التي يتعين على الحكومات والمدن تحملها مقابل استضافة المباريات.
وفي المقابل، اختارت دول أخرى اعتماد أطر قانونية خاصة لتوفير تسهيلات ضريبية وجمركية مرتبطة بتنظيم البطولة. فقد أقرت قطر ترتيبات خاصة بمونديال 2022، تضمنت إعفاءات لفائدة «فيفا» وجهات مرتبطة بالتنظيم، بما فيها بعض الاتحادات والموردين ومقدمي الخدمات، وفق الشروط المحددة في القوانين والقرارات المعنية.
وسلكت البرازيل بدورها هذا المسار من خلال القانون رقم 12.350 الصادر سنة 2010، الذي وضع تدابير ضريبية خاصة بكأس القارات 2013 وكأس العالم 2014. وشملت تلك التدابير الاتحاد الدولي وفرعه المحلي وعمليات محددة مرتبطة بالبطولتين، إلى جانب بعض السلع والواردات، من دون أن تتحول إلى إعفاء عام يشمل جميع أنشطة الجهات المستفيدة.
أما روسيا، فقد اعتمدت بموجب القانون الاتحادي رقم 108-FZ الصادر في يونيو 2013 إطارا قانونيا خاصا بتنظيم كأس العالم 2018 وكأس القارات 2017، تضمن مقتضيات تتعلق بالجوانب الضريبية والجمركية وبالجهات المشاركة في تنظيم المنافسات.
وتبرز هذه النماذج أن التسهيلات الضريبية والجمركية أصبحت جزءا من الترتيبات التي تلجأ إليها بعض الدول لاستضافة البطولات الكبرى، غير أن نطاقها ومدتها وشروط الاستفادة منها تختلف بحسب التشريعات الوطنية والاتفاقات المبرمة مع الاتحاد الدولي.
وفي السياق ذاته، تقدم فرنسا مثالا على القيود التي قد تواجه بعض الامتيازات الضريبية الممنوحة للهيئات الرياضية الدولية. ففي ديسمبر 2023، ألغى المجلس الدستوري الفرنسي مقتضيات كانت تستهدف تشجيع الاتحادات الرياضية الدولية المعترف بها من اللجنة الأولمبية الدولية على نقل مقراتها إلى فرنسا، عبر منحها وبعض العاملين فيها مزايا ضريبية.
واعتبر المجلس أن ربط الاستفادة من تلك الامتيازات بمجرد الاعتراف الصادر عن اللجنة الأولمبية الدولية لا يستند إلى معايير موضوعية وعقلانية كافية، بما يمس مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة. ومع ذلك، فإن هذه القضية لا تتعلق مباشرة بإعفاءات «فيفا» الخاصة بتنظيم كأس العالم، وإنما بنظام ضريبي موجه إلى استقطاب الاتحادات الرياضية الدولية، وهو ما يجعلها مثالا على الحدود القانونية للامتيازات الضريبية، لا دليلا على رفض فرنسي مباشر لشروط استضافة المونديال.
وبالنسبة إلى المغرب، ينصب جوهر النقاش على مدى اتساع النظام المقترح في مشروع قانون المالية لسنة 2027، وطبيعة الجهات التي سيشملها، والعمليات التي ستستفيد من الإعفاءات، فضلا عن الضوابط التي ستحدد الاستفادة منها وتمنع توسيعها إلى أنشطة لا ترتبط بصورة مباشرة بتنظيم المنافسة.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية بالنظر إلى أن الإعفاءات لا تتعلق بالضرورة بالاتحاد الدولي وحده، بل قد تشمل جهات أخرى تعمل في مجالات البث والخدمات والتوريد والتعاقدات المرتبطة بالبطولة. ومن ثم، فإن وضوح التعريف القانوني لكل فئة مستفيدة، وتحديد مدة الإعفاء ونطاقه، يمثلان عنصرين أساسيين لتقييم مدى تناسب الامتيازات مع متطلبات التنظيم.
كما يطرح المشروع مسألة الكلفة المحتملة لهذه التدابير على المالية العمومية، ومدى توافر تقديرات دقيقة للإيرادات الضريبية التي قد تتنازل عنها الدولة، مقارنة بالمكاسب الاقتصادية المنتظرة من استضافة كأس العالم، سواء تعلق الأمر بجذب الاستثمارات أو تنشيط السياحة أو خلق فرص الشغل وتحفيز القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات.
وبينما تثبت تجارب قطر والبرازيل وروسيا أن عددا من الدول لجأ إلى ترتيبات ضريبية خاصة لإنجاح تنظيم بطولات كروية كبرى، توضح التجربتان الأمريكية والكندية أن هذه التسهيلات قد تتحول إلى موضوع خلاف عندما تتجاوز، في نظر الجهات المستضيفة، الحدود المقبولة ماليا وقانونيا. أما الحالة الفرنسية، فتؤكد أن منح الامتيازات الضريبية يظل خاضعا بدوره لمبادئ دستورية وقواعد المساواة.
وعليه، فإن التحدي المطروح أمام المغرب لا يقتصر على توفير الشروط التنظيمية اللازمة لإنجاح مونديال 2030، بل يشمل أيضا تحقيق التوازن بين الالتزامات المرتبطة باستضافة البطولة وحماية الموارد العمومية، من خلال تحديد المستفيدين بدقة، وإخضاع الإعفاءات لضوابط واضحة، وتوفير معطيات تسمح بتقييم كلفتها الفعلية مقابل العائد الاقتصادي المنتظر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك