المغرب في مواجهة معركة السيادة الرقمية وامتلاك تكنولوجيا المستقبل

المغرب في مواجهة معركة السيادة الرقمية وامتلاك تكنولوجيا المستقبل
ديكريبتاج / الأربعاء 28 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

تتجه موازين القوة العالمية نحو فضاء جديد أصبحت فيه السيطرة على المعلومات والأنظمة الذكية والبنيات التكنولوجية عنصرًا حاسمًا في حماية استقلال الدول وصيانة مصالحها الاستراتيجية. ولم يعد امتلاك الأرض والموارد والمؤسسات كافيًا لضمان القرار الوطني، في وقت تتزايد فيه تبعية قطاعات حيوية لمنصات وبرمجيات وخدمات سحابية تتحكم فيها شركات خارج الحدود.

وأمام هذا الواقع، يجد المغرب نفسه مطالبًا بتحديد موقعه في التحولات الرقمية المتسارعة، والانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى امتلاك أدوات إنتاجها والتحكم فيها.

وتتجاوز هذه المعادلة مسألة تحديث الإدارة أو تسريع الخدمات الإلكترونية، لتطرح أسئلة جوهرية بشأن الجهة التي تدير بيانات المواطنين، والقدرة على تأمين الأنظمة الحيوية، ومدى استقلال المؤسسات عن الموردين الأجانب.

فالدولة التي تعتمد على حلول تقنية لا تستطيع صيانتها أو تطويرها أو الاستغناء عنها دون تعطيل مرافقها، تظل معرضة لمخاطر التبعية، حتى وإن كانت تمتلك بنياتها الإدارية ومؤسساتها على أرضها.

وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد المجالات التي ستحدد قدرة المغرب على تعزيز تنافسيته الاقتصادية وترسيخ استقلاله التكنولوجي. غير أن الرهان لا يتعلق بمجرد إدخال هذه الأدوات إلى الإدارات والمقاولات، بل ببناء قدرات وطنية تسمح بتطويرها وتدقيقها وضمان احترامها للقوانين والحقوق الأساسية.

وكان المغرب قد وضع أسس توجهه الرقمي قبل تشكيل الحكومة الحالية، من خلال استراتيجية «المغرب الرقمي 2030» التي أطلقتها حكومة عزيز أخنوش في 25 شتنبر 2024. واستهدفت هذه المبادرة تطوير الخدمات العمومية، وتحفيز الاقتصاد الرقمي، وتعزيز مكانة المملكة باعتبارها قطبًا تكنولوجيًا، مع تحديد هدف إحداث 240 ألف منصب شغل مباشر بحلول سنة 2030.

وتواصل هذا المسار مع تصاعد الاهتمام الوطني بالذكاء الاصطناعي، خصوصًا عقب المناظرة الوطنية التي احتضنتها المملكة في يوليوز 2025، قبل تقديم خارطة الطريق «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030»، المعروفة باسم «AI Made in Morocco»، في شتنبر 2026.

وقد حددت هذه الخطة مجموعة من الأهداف، من بينها توليد 100 مليار درهم من القيمة المضافة للناتج الداخلي الخام، وإحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتكوين واعتماد 200 ألف كفاءة وموهبة بحلول سنة 2030.

وتبقى هذه الأرقام رهانات معلنة يتعين قياس مدى تحققها من خلال مؤشرات دقيقة، وليست حصيلة اقتصادية منجزة يمكن التعامل معها باعتبارها نتائج نهائية. كما ينبغي الحذر من جمع أهداف التشغيل الواردة في الاستراتيجيات المختلفة بصورة آلية، لأن بعض البرامج قد تتداخل من حيث القطاعات المستهدفة أو فرص العمل المرتقبة.

وفي ظل انتقال المسؤولية الحكومية إلى فريق فاطمة الزهراء المنصوري، يكتسي تقييم المكتسبات السابقة أهمية خاصة. فوفق المعطيات الواردة بشأن البرنامج الحكومي المقدم أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، تندرج السيادة الرقمية ضمن الأولويات المعلنة، إلى جانب التوجه نحو بناء منظومة وطنية للأمن السيبراني، وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتطوير ذكاء اصطناعي آمن ومسؤول، وتشجيع المقاولات الناشئة العاملة في المجال التكنولوجي.

ويضع هذا التوجه الحكومة أمام مسؤولية استكمال المشاريع القائمة وتقييم نتائجها، بدل الاكتفاء بإعادة تقديمها تحت عناوين جديدة. كما يفرض تحديد المسؤوليات والآجال والموارد المالية، والكشف عن الصعوبات التي قد تعترض التنفيذ، حتى تتحول الاستراتيجيات الوطنية إلى برامج قابلة للتتبع والمحاسبة.

فاستمرارية السياسات الرقمية تقتضي الحفاظ على المشاريع المفيدة رغم تغير الحكومات، لكنها لا تعني إعفاء المسؤولين من تقييم أدائهم أو مساءلتهم عن التأخر في الإنجاز. ويظل معيار النجاح مرتبطًا بما يتحقق فعليًا على مستوى الخدمات والإنتاج والتشغيل والاستقلال التقني، لا بعدد الخطط التي يجري الإعلان عنها.

ويستدعي الهدف المتعلق بتوليد 100 مليار درهم من القيمة المضافة توضيحًا دقيقًا لطريقة احتسابه، والقطاعات التي ستساهم في تحقيقه، وحجم الاستفادة المنتظرة بالنسبة إلى المقاولات المغربية. فالقيمة المضافة المستهدفة ليست ميزانية مرصودة للاستثمار، ولا إيرادات مضمونة ستدخل مباشرة إلى خزينة الدولة، بل تمثل قيمة اقتصادية إضافية يُراد تحقيقها من خلال تطوير أنشطة الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخداماته.

ومن الضروري كذلك تحديد مدى انعكاس هذا التوسع على الإنتاجية والأجور والتشغيل والقدرة التنافسية، حتى لا تبقى المؤشرات الاقتصادية الكبرى منفصلة عن الأثر الذي يشعر به المواطن والمقاولة. فالنجاح لا يقاس فقط بحجم السوق الرقمية، بل أيضًا بقدرتها على خلق فرص عمل مستقرة، وتطوير المنتجات المحلية، وتحسين جودة الخدمات.

أما تكوين 200 ألف كفاءة، فيحتاج إلى مقاربة تتجاوز الدورات القصيرة والشهادات الشكلية، نحو بناء مسارات متخصصة في هندسة البرمجيات والبحث العلمي وتحليل البيانات والأمن السيبراني وتطوير النماذج الذكية. كما يتطلب توفير مختبرات ومراكز بحث وفرص عمل تتيح للكفاءات المغربية توظيف خبراتها داخل المملكة، بدل اضطرارها إلى الهجرة بحثًا عن بيئات مهنية تتناسب مع مؤهلاتها.

وتبرز حماية البيانات الشخصية باعتبارها أحد الاختبارات الأساسية لأي مشروع وطني للسيادة الرقمية. فالمعلومات التي تجمعها الإدارات والمؤسسات الصحية والمالية قد تشمل تفاصيل دقيقة عن هوية الأفراد ودخولهم وأوضاعهم الصحية ومعاملاتهم، وهو ما يجعل طريقة تخزينها ومعالجتها واستعمالها مسألة مرتبطة مباشرة بالخصوصية والحقوق الأساسية.

ويقتضي التدبير المسؤول لهذه المعطيات تحديد الجهات المخولة بجمعها ومعالجتها، ومكان الاحتفاظ بها، وشروط الولوج إليها، والضمانات المنظمة لنقلها إلى الخارج. كما يستوجب منع استعمالها لأغراض غير التي جُمعت من أجلها، أو توظيفها في مراقبة المواطنين وتصنيفهم والتأثير في اختياراتهم بطرق لا يجيزها القانون.

ويتوفر المغرب على القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وعلى اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، غير أن التطورات المتلاحقة في الذكاء الاصطناعي تفرض مواصلة تقييم مدى ملاءمة الإطار القانوني والمؤسساتي للتحديات الجديدة. ويشمل ذلك تعزيز المراقبة والشفافية والمساءلة، وضمان وجود آليات فعالة لمعالجة الشكايات والانتهاكات.

ولا ينبغي الخلط بين السيادة الرقمية ومنح الدولة أو المؤسسات العمومية سلطة غير محدودة على بيانات المواطنين؛ فالمقصود هو حماية المعطيات وضمان إدارتها وفق قواعد واضحة، تحت رقابة مستقلة، مع تحديد المسؤوليات القانونية والتقنية. كما أن حماية الأمن الرقمي لا يمكن أن تكون مبررًا لجمع المعلومات أو استخدامها دون ضوابط تحمي الحياة الخاصة.

وعلى مستوى البنيات التحتية، يمثل تطوير مراكز بيانات داخل المغرب وتوسيع خدمات الحوسبة السحابية خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقلال التكنولوجي. فقد توجد الخوادم داخل التراب الوطني، بينما تظل برمجيات تشغيلها وتحديثاتها وخدمات صيانتها ومفاتيح تشفيرها تحت سيطرة شركات أجنبية.

وقد تجد مؤسسة مغربية نفسها عاجزة عن تشغيل أحد أنظمتها إذا توقف المورد الخارجي عن تقديم الدعم أو تعذر تجديد التراخيص، رغم امتلاكها البيانات من الناحية القانونية. ويكشف هذا الاحتمال أن امتلاك المعدات يختلف عن امتلاك القدرة الفعلية على التحكم فيها وإدارتها وضمان استمرارية خدماتها.

لذلك، ينبغي أن تشمل العقود التكنولوجية ضمانات واضحة بشأن التحكم في البيانات، وإمكانية تدقيق الأنظمة، ونقل الخبرات، واستمرارية الخدمات، وتوفير بدائل تسمح بتغيير المورد دون تعطيل المرافق الحيوية. ولا يعني هذا التوجه رفض الشركات الأجنبية أو إغلاق السوق أمام الشراكات الدولية، بل يهدف إلى جعل التعاون وسيلة لاكتساب المعرفة وتقوية القدرات المحلية، بدل تكريس تبعية طويلة الأمد.

ويمتد التحدي إلى تطوير ذكاء اصطناعي يستجيب للخصوصيات اللغوية والثقافية والاجتماعية للمغرب. فالحاجة لا تقتصر على استخدام نماذج جاهزة، وإنما تشمل بناء أدوات قادرة على فهم العربية والأمازيغية والدارجة المغربية، ومعالجة الوثائق القانونية والإدارية والتربوية والطبية المحلية بدقة، اعتمادًا على بيانات موثوقة وإنتاج علمي وطني.

وفي هذا الإطار، تكتسب المبادرات المرتبطة بتطوير النماذج اللغوية الوطنية ومشاريع البنيات التحتية للبيانات والبرمجيات أهمية متزايدة. غير أن تقييمها ينبغي أن يستند إلى مستوى الإنجاز الفعلي، والقدرة على الاستعمال والتطوير والصيانة والتحديث، وليس إلى الإعلان عنها أو عرض نماذج تجريبية تحمل أسماء وطنية.

فالمنتج الذي يحمل علامة مغربية لا يصبح بالضرورة تكنولوجيا سيادية، ما لم تتوفر الكفاءات القادرة على فهم بنيته وتعديلها وتطويرها وتأمينها، مع الاحتفاظ بالقدرة على تدقيق أدائه ومعالجة اختلالاته. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في البحث العلمي، ودعم الجامعات ومراكز الابتكار، وربط التكوين باحتياجات المقاولات والإدارات.

ولا يمكن أن تنجح هذه السياسة إذا اقتصرت على الوزارات والإدارات المركزية، لأن الجماعات الترابية ومجالس الجهات والعمالات والأقاليم والمؤسسات والمقاولات العمومية وشركات التنمية المحلية والجهوية تدير بدورها بيانات مهمة تتعلق بالتعمير والنقل والنظافة والماء والكهرباء والجبايات والصفقات العمومية.

وتفرض هذه المعطيات اعتماد معايير وطنية لتدبير الأنظمة المعلوماتية، وتنظيم عقود اقتناء البرمجيات وصيانتها، وتحديد شروط الولوج إلى البيانات وتبادلها. كما ينبغي ضمان قابلية الأنظمة للتشغيل البيني، حتى لا تتحول المؤسسات المحلية إلى رهائن تقنية لدى شركات تحتكر تشغيل المنصات أو صيانتها.

فالرقمنة التي ترفع كفاءة الخدمات لكنها تجعل المؤسسة عاجزة عن إدارة أنظمتها بصورة مستقلة تظل محدودة الأثر من منظور السيادة الرقمية. ويتطلب النجاح الجمع بين تحسين الخدمات وتقوية الأمن المعلوماتي وضمان قدرة المؤسسات على الاستمرار حتى في حال تعطل خدمات أحد الموردين.

ولا تتوقف المخاطر عند سرقة البيانات أو اختراق الأنظمة، بل تشمل أيضًا القرارات الخاطئة أو التمييزية التي قد تنتجها الخوارزميات. وتزداد حساسية هذه المسألة عندما تستخدم الأنظمة الذكية في التوظيف أو التعليم أو الصحة أو تحديد المستفيدين من الخدمات الاجتماعية.

ومن غير المقبول أن يؤدي قرار آلي إلى حرمان مواطن من حق أو خدمة دون أن تتاح له إمكانية معرفة الأسس التي بُني عليها القرار أو الاعتراض عليه. ولذلك، يتعين اعتماد قواعد للشفافية والمراقبة البشرية، وتحديد المسؤولية عن الأضرار، وإرساء آليات للطعن والتصحيح عندما تؤثر الأنظمة الذكية في الحقوق والمصالح الأساسية للأفراد.

ويستدعي هذا الورش أيضًا تأهيل القضاة والإداريين والأطباء والأساتذة لفهم حدود الذكاء الاصطناعي ومخاطره، إلى جانب تعزيز الثقافة الرقمية لدى الأطفال والشباب، وتطوير القدرات الوطنية في مجال الأمن السيبراني والاستجابة للهجمات والاختلالات التقنية.

وأمام هذه الملفات المتشابكة، يتوقف نجاح الحكومة الحالية على قدرتها على تحويل التوجهات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس. ويتطلب ذلك نشر حصيلة مفصلة للمشاريع السابقة، وتوضيح التمويلات والآجال والجهات المسؤولة، وإخضاع البرامج لتقييم مستقل، وتمكين البرلمان من مراقبة التنفيذ، مع إتاحة المعلومات الأساسية للرأي العام.

فالرهان لا يتعلق بمجرد امتلاك عدد أكبر من الخوادم أو المنصات الرقمية، وإنما ببناء منظومة وطنية تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لتطوير التكنولوجيا وتأمينها وإدارتها. كما أن الاعتماد على الحلول الأجنبية لا يمثل مشكلة في حد ذاته، ما دام لا يؤدي إلى فقدان القدرة على التحكم في الأنظمة أو ضمان استمرارية المرافق الحيوية.

وبين الطموحات المعلنة ومتطلبات التنفيذ، يحتاج المغرب إلى سياسة تجعل الابتكار والبحث العلمي وحماية البيانات وتكوين الكفاءات عناصر مترابطة، بدل التعامل معها كأوراش منفصلة. فالتكنولوجيا لا تحقق استقلالًا حقيقيًا بمجرد استيرادها، وإنما عندما تتحول إلى معرفة قابلة للتطوير، وقدرة إنتاجية وطنية، وأداة لتحسين حياة المواطنين وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

إن مستقبل السيادة الرقمية للمغرب سيتحدد بمدى قدرته على امتلاك مفاتيح أنظمته الحيوية، وحماية بيانات مواطنيه، وتطوير حلول تستجيب لاحتياجاته، وضمان خضوع التكنولوجيا للمساءلة والقانون. ففي عالم تتزايد فيه قيمة المعلومات، أصبح الاستقلال الوطني مرتبطًا أيضًا بمن يملك المعرفة، ومن يتحكم في البنية الرقمية، ومن يتحمل المسؤولية عن القرارات التي تنتجها الخوارزميات.



لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك