أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
لم تكن ليلة 30 أكتوبر 2026 ليلة عادية في تاريخ النزاع حول الصحراء المغربية، بعدما شهد مجلس الأمن الدولي مواجهة دبلوماسية غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وروسيا، انتهت بسقوط مشروعي القرار اللذين تقدمت بهما القوتان بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو»، لتجد هذه البعثة نفسها أمام أخطر أزمة منذ إنشائها سنة 1991، في تطور قد يشكل بداية النهاية للصيغة التي ظلت تشتغل بها لأكثر من ثلاثة عقود.
وتكمن المفارقة السياسية في أن واشنطن، التي قادت مشروعاً يروم إعادة تشكيل مهمة البعثة ووضع مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية في صلب المفاوضات باعتباره الأساس الوحيد المقترح لمواصلة النقاش، اصطدمت باستخدام موسكو حق النقض ضد مشروعها، رغم حصوله على تأييد أحد عشر عضواً من أعضاء المجلس. وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي البديل، الذي دعا إلى تمديد الولاية الحالية للمينورسو دون تغيير طبيعة مهامها، من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، بعدما لم يحصد سوى ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت معارض وامتناع أحد عشر عضواً.
وهنا ينبغي التمييز بين استخدام حق النقض وإسقاط مشروع قرار لعدم حصوله على الأصوات اللازمة؛ فروسيا استخدمت الفيتو ضد المشروع الأمريكي، بينما صوّتت الولايات المتحدة ضد المشروع الروسي الذي سقط أصلاً لعدم توفر الأغلبية المطلوبة. غير أن النتيجة السياسية كانت واحدة: فشل المسارين معاً، وترك مستقبل المينورسو معلقاً مع انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر 2026، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذب بشأن طبيعة الوجود الأممي في المنطقة.
ومن زاوية القراءة الاستراتيجية، لا يمكن اختزال ما حدث في خلاف تقني حول تجديد ولاية بعثة أممية، لأن جوهر المواجهة ارتبط بالسؤال الأكثر حساسية: هل يستمر المجتمع الدولي في إدارة النزاع وفق الآليات التقليدية التي تعثرت لعقود، أم يتجه نحو إعادة صياغة الإطار السياسي والمؤسساتي الذي يجري من خلاله البحث عن تسوية؟ وهو سؤال يضع المينورسو نفسها أمام اختبار وجودي، بعدما أصبح مستقبلها مرتبطاً بشكل مباشر بمآلات التفاوض بين القوى الكبرى والأطراف المعنية.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن التطور الأخير يأتي في سياق دبلوماسي تراكمت خلاله التحولات المرتبطة بموقع مبادرة الحكم الذاتي في النقاش الدولي، وباتت معه الرباط تدفع باتجاه تجاوز المقاربات التي لم تنجح في إنهاء النزاع، والانتقال إلى مسار سياسي يستند إلى مقترحها تحت السيادة المغربية. وقد أظهرت مناقشات مجلس الأمن أن هذا المقترح بات حاضراً بقوة في صياغة التصورات المطروحة لمستقبل العملية السياسية، وإن ظلت الخلافات قائمة بشأن كيفية اعتماده والإطار القانوني الذي ينبغي أن يؤطره.
ولعل أبرز ما يستحق التوقف عنده هو أن المشروع الأمريكي لم يكن مجرد تمديد تقليدي للبعثة، بل تضمن تصوراً لإعادة هيكلتها، وتغيير اسمها، ومراجعة مكونها العسكري، مع مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم مقترحات بشأن بنيتها ومواردها ومستقبل مهامها. وهذا يعني أن النقاش داخل مجلس الأمن انتقل بالفعل من سؤال التمديد السنوي إلى سؤال إعادة تعريف وظيفة البعثة، وهو تحول لا يمكن تجاهل انعكاساته على مستقبل الملف برمته.
وفي هذا السياق، تبدو فرضية انتهاء المينورسو بصيغتها الحالية أكثر حضوراً من السابق، خصوصاً إذا استمرت الانقسامات داخل مجلس الأمن وتعذر التوصل إلى توافق بشأن تجديد ولايتها أو إعادة هيكلتها. ومن غير المستبعد أن تتجه التطورات المقبلة نحو تقليص دورها العسكري، أو تحويلها تدريجياً إلى بعثة ذات طابع سياسي، أو حتى فتح نقاش أوسع بشأن إنهاء وجودها إذا اقتنعت القوى المؤثرة بأن الصيغة الحالية لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
غير أن الحديث عن «إعدام» المينورسو يظل توصيفاً سياسياً لمآل محتمل، وليس قراراً أممياً صدر بالفعل؛ فالبعثة لم تُصفَّ نهائياً بمجرد فشل التصويت، ولا تزال هناك احتمالات لعودة مجلس الأمن إلى التفاوض بشأن صيغة جديدة أو اتخاذ ترتيبات انتقالية. ومع ذلك، فإن ما حدث قد يكون بداية مسار ينتهي إلى طي صفحة النموذج التقليدي للبعثة، وفتح صفحة مختلفة في تدبير النزاع.
أما على مستوى الحسابات الإقليمية، فإن تعثر المشروعين الأمريكي والروسي يكشف أن الملف لم يعد يتحرك فقط وفق موازين القوى التقليدية داخل مجلس الأمن، بل أصبح جزءاً من تنافس أوسع حول مستقبل النظام الدولي وحدود تأثير القوى الكبرى في النزاعات الإقليمية. فموسكو بررت موقفها برفض ما اعتبرته انحيازاً للمقترح المغربي واستباقاً لنتائج التسوية، بينما تمسكت واشنطن بضرورة الانتقال إلى مقاربة جديدة ترى أنها أكثر ارتباطاً بالواقع السياسي الحالي. وبين الموقفين، وجدت البعثة الأممية نفسها ضحية خلاف لم تستطع المؤسسة الدولية تجاوزه.
وفي المقابل، لا يمكن استبعاد أن تؤدي هذه التطورات إلى تصاعد الضغوط السياسية والقانونية على جبهة البوليساريو، خصوصاً إذا استمر المسار الدولي في اتجاه إعادة تقييم طبيعة النزاع والجهات الفاعلة فيه. وقد تبرز خلال المرحلة المقبلة دعوات داخل بعض الأوساط السياسية والبرلمانية الأمريكية والدولية لطرح مسألة تصنيف الجبهة ضمن قوائم المنظمات الإرهابية، أو إخضاع أنشطتها وشبكات دعمها لمراجعة قانونية وأمنية أكثر تشدداً.
ويظل هذا السيناريو احتمالاً سياسياً غير محسوم، إذ لا يوجد إلى حدود الآن قرار رسمي معلن يثبت أن تصنيفاً من هذا النوع سيصدر خلال الأسابيع المقبلة، كما أن مثل هذا الإجراء يتطلب مساراً قانونياً ومؤسساتياً مستقلاً، ولا ينتج تلقائياً عن التصويت داخل مجلس الأمن. لكن من المرجح أن يزداد حضور هذا النقاش في حال تصاعدت المواجهة السياسية حول الملف، وظهرت معطيات جديدة تدفع أطرافاً دولية إلى المطالبة بمراجعة وضع الجبهة وطبيعة أنشطتها وعلاقاتها الإقليمية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة قد تحمل تطورات تتجاوز مسألة المينورسو، لتصل إلى إعادة النظر في أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي والقانوني المرتبطة بالنزاع، وهو ما يضع الجزائر والبوليساريو أمام ضرورة التعامل مع واقع دولي يتغير، وتوازنات لم تعد بالضرورة مطابقة لتلك التي حكمت الملف خلال العقود الماضية.
ولا ينبغي، في المقابل، تجاهل أن فشل التصويت لا يعني أن جميع أعضاء مجلس الأمن تبنوا الموقف الأمريكي أو أن التسوية أصبحت محسومة بصورة نهائية. فالمواقف الدولية ما تزال متباينة، ومبدأ تقرير المصير ظل حاضراً في مداخلات عدد من الدول، كما أن روسيا والصين أبدتا تحفظات بشأن الصيغة الأمريكية، وهو ما يؤكد أن الطريق نحو أي تسوية نهائية سيظل مرتبطاً بالتفاوض وبمدى قدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة تحظى بقبول دولي.
لكن المؤكد أن ليلة 30 أكتوبر ستبقى محطة مفصلية في تاريخ هذا الملف، لأنها كشفت أن التجديد الروتيني للمينورسو لم يعد مضموناً، وأن مستقبل البعثة أصبح موضوعاً مباشراً للصراع الدبلوماسي بين القوى الكبرى. كما أن سقوط المشروع الروسي بعد الفيتو الروسي على المشروع الأمريكي أظهر أن التمسك بالصيغة القديمة لا يكفي وحده لضمان استمرارها، مثلما أن الرغبة الأمريكية في إعادة تشكيلها لا تكفي لفرض تصور جديد دون توافق داخل مجلس الأمن.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في مواصلة التحرك الدبلوماسي لتثبيت المكتسبات التي تحققت في مسار الدفاع عن الوحدة الترابية، واستثمار التحولات الجارية دون الوقوع في فخ الاستباق أو المبالغة في قراءة نتائج تصويت لم يحسم بعد جميع تفاصيل النزاع. فالمعركة الدبلوماسية لا تُقاس فقط بما يقع داخل قاعة مجلس الأمن، وإنما أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وإقناع العواصم المؤثرة، وتحويل المواقف السياسية إلى مسارات مؤسساتية وقرارات قابلة للتنفيذ.
إن ما جرى لا يعني أن عبارة النهاية كُتبت بالفعل على شاشة المينورسو، لكنه قد يكون المشهد الذي يسبق تغييراً جذرياً في دورها ومستقبلها. كما أن احتمال انتقال الضغوط الدولية إلى ملفات أخرى مرتبطة بالبوليساريو يظل مطروحاً، وإن كان رهيناً بتطورات سياسية وقانونية لم تتبلور بعد.
لقد دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة من التجاذب الدولي، عنوانها إعادة ترتيب أدوات إدارة النزاع ومراجعة جدوى الآليات القديمة. وبين احتمال تحول المينورسو إلى بعثة مختلفة، وإمكانية تراجع دورها أو إنهائه لاحقاً، وسيناريو تصاعد الضغوط على البوليساريو، تبدو الأسابيع والأشهر المقبلة مفتوحة على تطورات قد تعيد رسم ملامح المشهد الدبلوماسي في المنطقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط ما إذا كانت المينورسو ستعود بصيغة جديدة، بل ما إذا كان العالم يتجه فعلاً إلى الانتقال من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة البحث عن تسوية سياسية نهائية، وما إذا كانت الأطراف المعنية مستعدة للتعامل مع التحولات التي أفرزتها هذه المواجهة داخل مجلس الأمن. فالتاريخ لا يُكتب بالتوقعات وحدها، لكنه كثيراً ما يبدأ بلحظة تكشف أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد كما كانت.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك