فضيحة الألف مليار درهم وثروة مغربية محتجزة في البنوك بدل خلق الشغل ومحاربة البطالة

فضيحة الألف مليار درهم وثروة مغربية محتجزة في البنوك بدل خلق الشغل ومحاربة البطالة
ديكريبتاج / الجمعة 05 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

في الوقت الذي قد تبدو فيه الأرقام الصادرة عن بنك المغرب، مؤشراً على قوة الادخار ووفرة السيولة داخل المنظومة المالية، فإن القراءة المتأنية لما تخفيه هذه المعطيات تقود إلى استنتاج مقلق ومختلف تماماً.

فبلوغ ودائع الأسر المغربية مستوى غير مسبوق، تجاوز ألف مليار درهم مع نهاية أبريل 2026 لا يعكس بالضرورة ازدهاراً اقتصادياً أو تحسناً في القدرة الشرائية للمواطنين، بل يكشف عن حالة جماعية من التوجس والقلق دفعت الأسر والمقاولات إلى تكديس الأموال بدل ضخها في دواليب الاقتصاد الحقيقي.

اقتصاد يهرب من المخاطرة ويختبئ داخل الحسابات البنكية

المشهد الاقتصادي الذي ترسمه هذه الأرقام لا يوحي بحيوية استثمارية بقدر ما يعكس حالة من الانكماش النفسي والاقتصادي. فحين ترتفع الودائع بهذا الحجم الكبير وتناهز 1009 مليارات درهم، فإن الرسالة التي يبعثها المواطنون والمستثمرون واضحة: الثقة في المستقبل الاقتصادي ليست في أفضل حالاتها.

الأسر المغربية، التي عانت خلال السنوات الأخيرة من موجات متتالية من الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، باتت تتعامل بمنطق الدفاع عن الذات. وبدل توجيه مدخراتها نحو الاستهلاك أو المشاريع العائلية أو المبادرات الاستثمارية الصغيرة، فضلت اللجوء إلى الحسابات البنكية باعتبارها الملاذ الأقل خطورة في زمن تتزايد فيه الشكوك حول المستقبل.

هذه الظاهرة لا تعبر عن قوة الاقتصاد، بل عن حالة يمكن وصفها بـ"اقتصاد الخوف"، حيث يصبح الادخار المفرط وسيلة للحماية من المجهول أكثر منه مؤشراً على الوفرة المالية.

المقاولات بدورها ترفع الراية البيضاء

الأكثر إثارة للقلق أن هذا السلوك لم يعد مقتصراً على الأسر فقط، بل امتد إلى المقاولات الخاصة التي يفترض فيها أن تكون المحرك الأساسي للاستثمار والتشغيل.

فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن ودائع المقاولات غير المالية الخاصة ارتفعت بنسبة تفوق 13 في المائة لتقترب من 248 مليار درهم، وهو رقم يعتبره العديد من المتتبعين مؤشراً سلبياً أكثر منه خبراً إيجابياً.

ففي الاقتصادات السليمة، تتحول السيولة المتوفرة لدى الشركات إلى استثمارات جديدة ومشاريع توسعية وفرص عمل إضافية. أما عندما تختار المقاولات الاحتفاظ بأموالها داخل الحسابات البنكية، فإن ذلك يعكس حالة من فقدان الثقة في مناخ الأعمال والخوف من المجازفة في بيئة يعتبرها عدد من الفاعلين الاقتصاديين غير مستقرة بما يكفي لضمان عائدات مستقبلية آمنة.

والنتيجة المباشرة لذلك هي تباطؤ الاستثمار الخاص وتراجع دينامية خلق الثروة وفرص الشغل، وهو ما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي الوطني برمته.

الأبناك:الرابح الأكبر من حالة القلق الجماعي

وسط هذا المشهد المقلق، يبدو أن طرفاً واحداً فقط يواصل تحقيق المكاسب دون عناء كبير، وهو القطاع البنكي.

ففي الوقت الذي تضع فيه الأسر مدخراتها داخل البنوك مقابل عائدات ضعيفة لا تتجاوز 1.61 في المائة في حسابات الادخار، تستفيد المؤسسات البنكية من كتلة مالية هائلة تحصل عليها بتكلفة منخفضة للغاية.

المفارقة الصادمة أن هذه النسبة تبقى أقل بكثير من معدلات الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، ما يعني أن المدخر المغربي يخسر عملياً جزءاً من قيمة أمواله سنة بعد أخرى. وفي المقابل تعيد الأبناك توظيف هذه السيولة في قروض استهلاكية واستثمارية أو في سندات الخزينة بعوائد أعلى بكثير، محققة أرباحاً مريحة من الفارق بين كلفة الأموال وعائد توظيفها.

وبذلك تتحول المخاوف الاقتصادية للأسر والمقاولات إلى مصدر أرباح متزايدة للقطاع البنكي، في معادلة يصفها عدد من المتابعين بأنها تعزز الطابع الريعي للمنظومة المالية بدل تشجيع التمويل المنتج للاقتصاد الحقيقي.

مغاربة العالم:المنقذ الدائم والسياسات الغائبة

أما على مستوى تحويلات ومدخرات الجالية المغربية بالخارج، فتستمر الأرقام في تأكيد الدور المحوري الذي يلعبه ملايين المغاربة المقيمين خارج الوطن في دعم التوازنات المالية للمملكة.

فأكثر من 230 مليار درهم مودعة من طرف مغاربة العالم داخل الحسابات البنكية المغربية، وهو رقم ضخم يعكس استمرار ارتباط الجالية بوطنها الأم وثقتها في النظام المصرفي الوطني.

لكن خلف هذا الرقم الإيجابي ظاهرياً تكمن مفارقة أخرى لا تقل خطورة. فاستمرار هذه الأموال في شكل ودائع جامدة بدل تحولها إلى استثمارات إنتاجية يكشف فشلاً مستمراً للسياسات العمومية في ابتكار آليات فعالة لجذب رساميل الجالية نحو المشاريع التنموية.

فالكثير من المستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج ما زالوا يصطدمون بتعقيدات إدارية وبيروقراطية ومناخ استثماري لا يمنحهم الضمانات الكافية، الأمر الذي يدفعهم إلى الاحتفاظ بأموالهم داخل البنوك بدل المغامرة بها في مشاريع قد تواجه عراقيل لا تنتهي.

ألف مليار درهم ليست بشرى بل جرس إنذار

بعيداً عن الاحتفاء التقني بحجم السيولة البنكية، تكشف هذه المعطيات عن أزمة أعمق تتعلق بمستوى الثقة داخل الاقتصاد المغربي. فالأموال عندما تتكدس داخل الحسابات البنكية بهذا الشكل لا تخلق وظائف ولا تبني مصانع ولا تطور مقاولات ولا تحرك عجلة الإنتاج.

إن الألف مليار درهم المكدسة في البنوك ليست دليلاً على القوة الاقتصادية بقدر ما هي شهادة على حالة ترقب جماعية يعيشها المجتمع الاقتصادي المغربي، من أسر ومقاولات ومستثمرين.

وفي العمق، فإن هذه الكتلة المالية الهائلة تمثل ثروة وطنية معطلة تنتظر بيئة اقتصادية أكثر جاذبية وشفافية وقدرة على بث الثقة.

فبدون إصلاحات حقيقية تعيد الاعتبار للاستثمار المنتج وتضمن المنافسة العادلة وتبسط المساطر الإدارية، ستظل الأموال حبيسة الحسابات البنكية، بينما يستمر الاقتصاد الوطني في البحث عن محركات نمو جديدة قادرة على مواجهة البطالة وإطلاق دينامية تنموية حقيقية.

وفي النهاية، لا يكمن الخطر في حجم الأموال المودعة داخل الأبناك، بل في الأسباب التي دفعتها إلى الاختباء هناك. فعندما يخاف رأس المال من المستقبل، يصبح الاقتصاد كله أسير الانتظار، وتتحول المليارات من قوة إنتاجية محتملة إلى أرقام جامدة خلف شبابيك المصارف.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك