أنتلجنسيا:أبو فراس
تتجه أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة نحو مزيد من التصعيد، بعدما دخل التوقف الجماعي للمحامين أسبوعه السادس على التوالي، في مشهد غير مسبوق أربك سير المحاكم وألقى بظلال ثقيلة على آلاف الملفات والقضايا المعروضة أمام القضاء، وسط تمسك كل طرف بمواقفه وانتظار ما ستسفر عنه المحكمة الدستورية بشأن النص القانوني المثير للجدل.
ومع استمرار المقاطعة الشاملة منذ منتصف يونيو الماضي، تحولت العديد من المحاكم إلى فضاءات شبه معطلة، بعدما غاب المحامون عن الجلسات والإجراءات القضائية المختلفة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على مصالح المتقاضين وسير العدالة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة التأخير وتراكم الملفات وتعقيد أوضاع الموقوفين والمتقاضين.
ويتمسك المحامون بمطلبهم الرئيسي المتمثل في سحب مشروع القانون الذي صادق عليه البرلمان وإعادة فتح باب الحوار مع الهيئات المهنية، معتبرين أن عددا من المقتضيات الواردة فيه تمس بجوهر استقلالية المهنة وتفتح الباب أمام تدخلات يرون أنها تتعارض مع خصوصية رسالة الدفاع ومكانتها داخل منظومة العدالة.
وفي خضم هذا التوتر، انتقل المشروع إلى المحكمة الدستورية بعد إحالته من طرف رئيس مجلس النواب من أجل البت في مدى مطابقته لأحكام الدستور. وقد شرعت المحكمة في مباشرة المساطر القانونية المعمول بها، من خلال إشعار مختلف المؤسسات الدستورية المعنية واستقبال المذكرات والملاحظات الكتابية من الجهات المخول لها التدخل في هذا المسار، في انتظار قرار مرتقب قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة ويحدد مصير واحد من أكثر النصوص القانونية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة.
وعلى الأرض، لم تتوقف التحركات الاحتجاجية لهيئات المحامين، بل أخذت منحى أكثر حدة مع توالي الوقفات والاعتصامات والمسيرات المهنية. فبعد الاحتجاج أمام البرلمان والاعتصامات التي خاضها النقباء وممثلو الهيئات، انتقلت أشكال التصعيد إلى مختلف المحاكم عبر ربوع المملكة، مع إعلان الاستعداد لخوض محطات نضالية جديدة واللجوء إلى مؤسسات وهيئات دولية لعرض وجهة نظر المهنة بشأن المشروع المرفوض.
وفي المقابل، تتسع دائرة المتضررين من هذا الوضع يوما بعد يوم. فإلى جانب التأثير المباشر على سير الجلسات القضائية، تتعطل ملفات جنائية ومدنية وتجارية حساسة، وتتأخر إجراءات الإفراج عن بعض المعتقلين والبت في القضايا المعروضة على القضاء، كما تتأثر مصالح المقاولات والتجار والمواطنين المرتبطة بالعقود والتوثيق والإرث والطلاق وغيرها من الإجراءات القانونية التي تتطلب حضور المحامين ومواكبتهم.
هذا الوضع الاستثنائي دفع عددا من الهيئات الحقوقية والسياسية إلى دق ناقوس الخطر والمطالبة بتدخل عاجل لإنهاء الأزمة قبل أن تتحول إلى أزمة عدالة حقيقية. وفي هذا السياق، حملت فعاليات حقوقية الحكومة مسؤولية ما وصفته بحالة الشلل التي يعيشها مرفق القضاء، محذرة من انعكاسات استمرار الوضع على حقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة، خاصة بالنسبة للموقوفين الذين تتأخر ملفاتهم وتتفاقم معاناتهم بسبب تعطل الجلسات.
ورغم حجم الانتقادات الموجهة للمشروع، فإن وزارة العدل تواصل الدفاع عنه باعتباره جزءا من ورش إصلاح منظومة العدالة وتحديث المهن القضائية. ويؤكد الوزير عبد اللطيف وهبي أن النص الجديد يتضمن آليات لتعزيز الحكامة والشفافية داخل الهيئات المهنية ولا يحمل أي مساس باستقلالية المحامين، رافضا في الوقت نفسه فكرة سحبه أو التراجع عنه.
وبين تمسك الحكومة بالمشروع وإصرار المحامين على مواصلة المقاطعة حتى إسقاطه أو تعديله جذريا، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التوتر خلال الأيام المقبلة. أما المحاكم، فتظل عالقة بين نار الاحتجاج وسندان الانتظار، فيما يدفع المواطنون والمتقاضون الثمن الأكبر في معركة قانونية ومؤسساتية لم تظهر بعد أي مؤشرات حقيقية على قرب نهايتها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك