أنتلجنسيا:أبو جاسر
فجرت عمليات افتحاص واسعة باشرتها المفتشية العامة للمالية معطيات مثيرة حول شبهات اختلالات مالية وإدارية داخل عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، بعدما كشفت التحقيقات الأولية مؤشرات على صرف تعويضات مرتبطة بمهمات مهنية لم تُنجز بالكامل، وأحياناً لم تُنفذ أصلاً، ما فتح الباب أمام تدقيق موسع في طرق تدبير المال العام وآليات مراقبة النفقات.
ووفق معطيات متطابقة، فإن فرق التفتيش المالي وسعت دائرة مراقبتها لتشمل عشرات المؤسسات والمقاولات العمومية وملحقاتها، حيث انصب التركيز على مراجعة وثائق محاسباتية وإدارية مرتبطة بالتنقلات والأسفار المهنية داخل المغرب وخارجه خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك سجلات الاعتمادات المالية والفواتير ومحاضر الأداء والتصريحات الخاصة بالمهمات الرسمية.
وأظهرت عمليات التدقيق وجود مؤشرات مقلقة بشأن صرف تعويضات عن مهمات لم تستكمل أو لم تنجز أساساً، وهو ما أثار انتباه المفتشين الذين شرعوا في تعقب مسارات صرف هذه الأموال والتأكد من مدى مطابقتها للضوابط القانونية والتنظيمية المعمول بها داخل القطاع العمومي.
كما رصدت عمليات الافتحاص، بحسب المصادر ذاتها، شبهة توظيف اعتمادات مالية مخصصة لأغراض مؤسساتية في نفقات ذات طابع شخصي، من خلال تحويل بعض المقتنيات والهدايا المدرجة ضمن ميزانيات التواصل والأنشطة الرسمية إلى استعمالات فردية، الأمر الذي زاد من حجم التساؤلات حول طرق تدبير بعض الاعتمادات العمومية.
وامتدت الملاحظات المسجلة إلى ملفات مرتبطة بمصاريف مهمات خارج المغرب، حيث خضعت التصريحات المتعلقة بالسفر والتعويضات المرتبطة به لتدقيق معمق، خاصة بعد تسجيل مؤشرات على وجود تفاوتات وشبهات في تبرير بعض النفقات المصرح بها.
وكشفت التحقيقات أيضاً عن حالات تتعلق بالتأشير على خدمات وتعويضات استفاد منها مسؤولون ومديرون مقابل مهمات وصفت بالمشكوك في تنفيذها، حيث تم تسجيلها ضمن الوثائق الرسمية رغم غياب مؤشرات كافية تؤكد إنجازها فعلياً. وتشير المعطيات إلى أن اعتماد مبالغ مالية محدودة وبرمجة هذه المهمات على فترات متباعدة كان يهدف إلى تفادي إثارة الانتباه وإبعاد الشبهات عن هذه العمليات.
ولم يتوقف التدقيق عند نفقات السفر والتنقل فقط، بل شمل كذلك ملفات مرتبطة بالتكوينات والتعويضات والتسبيقات على الأجور، حيث يعمل المفتشون على التحقق من مدى احترام السقوف القانونية والإجراءات المحاسباتية المعمول بها، في إطار تطبيق توجيهات ترشيد النفقات وتعزيز الحكامة المالية داخل المؤسسات العمومية.
وفي هذا السياق، أولت فرق المراقبة أهمية خاصة للوثائق المصرح بها لدى مكتب الصرف بشأن المهمات المهنية المنجزة بالخارج، من أجل التحقق من صحة المخصصات المالية والفواتير المقدمة لتبرير المصاريف المعلن عنها.
وتندرج هذه العملية الرقابية ضمن تنسيق موسع بين المفتشية العامة للمالية وعدد من الهيئات المختصة في الرقابة والتتبع، من بينها المجلس الأعلى للحسابات والجهات المكلفة بتقييم أداء المؤسسات العمومية، وذلك بهدف تكوين صورة شاملة حول مستوى احترام قواعد التدبير المالي والإداري داخل هذه المؤسسات.
كما استند المفتشون إلى تقارير وملاحظات رقابية سابقة سجلت اختلالات مرتبطة بارتفاع بعض النفقات وغياب وثائق الإثبات الكافية، حيث يجري حالياً مطابقة نتائج الافتحاص الداخلي مع المعطيات المالية المصرح بها لتحديد المسؤوليات وترتيب الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة عند الاقتضاء.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن التحقيقات الجارية تشمل مسؤولين وموظفين كباراً، حاليين وسابقين، استفاد بعضهم من تعويضات مرتبطة بالتنقل والسفر والتكوين دون تقديم ما يكفي من الوثائق المبررة، فضلاً عن رصد تسبيقات على الأجور تجاوزت الحدود القانونية المسموح بها. وهي مؤشرات قد تدفع بهذا الملف إلى واجهة النقاش العمومي خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا أسفرت التحقيقات عن إثبات وجود تجاوزات تمس تدبير المال العام.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك