المغرب في حاجة إلى ثورة وطنية للتدبير وإعادة تدوير النفايات

المغرب في حاجة إلى ثورة وطنية للتدبير وإعادة تدوير النفايات
ديكريبتاج / الخميس 16 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

أصبحت قضية تدبير النفايات في المغرب واحدة من أبرز التحديات البيئية والاجتماعية التي تواجه المدن والمجالات القروية على حد سواء، في ظل استمرار الانتقادات الموجهة إلى النموذج الحالي القائم على التدبير المفوض لفائدة شركات خاصة، والذي يرى عدد من المتابعين أنه لم يعد قادراً على تقديم حلول مستدامة لمشكل يتفاقم يوماً بعد يوم.

فبعد سنوات من اعتماد هذا النموذج، ما تزال العديد من المدن المغربية تعاني من مشاكل مرتبطة بجمع النفايات ونقلها ومعالجتها، في وقت تحولت فيه بعض الفضاءات العمومية إلى نقاط لتراكم الأزبال، وأصبح المواطن يعيش يومياً مع الروائح الكريهة وانتشار مظاهر التلوث التي تؤثر على جودة الحياة والصحة العامة.

ويؤكد منتقدو التدبير المفوض أن الإشكال لا يكمن فقط في عملية جمع النفايات، بل في غياب رؤية شاملة تجعل من النفايات مورداً اقتصادياً يمكن استثماره، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد مواد يجب التخلص منها. فالنفايات بمختلف أنواعها، من البلاستيك والحديد والزجاج إلى بقايا الطعام، يمكن أن تتحول إلى مصادر للثروة والطاقة وفرص العمل إذا تم اعتماد منظومة حديثة لإعادة التدوير والتثمين.

ويرى عدد من الفاعلين أن المرحلة الحالية تتطلب تجاوز المقاربات التقليدية التي تركز فقط على رفع الأزبال من الشوارع، والانتقال إلى نموذج وطني متكامل يقوم على الفرز من المصدر، وإعادة التدوير، وتشجيع الصناعات المرتبطة بتثمين النفايات، بما يساهم في تقليص حجم النفايات الموجهة إلى المطارح وتحقيق فوائد اقتصادية وبيئية مهمة.

كما يبرز النقاش حول دور الجماعات الترابية في تدبير هذا القطاع، خصوصاً في ظل اعتماد برامج ومخططات لم تحقق، حسب منتقديها، النتائج المنتظرة رغم الميزانيات المهمة التي تم تخصيصها. ويرى هؤلاء أن بعض الاختيارات المفروضة على الجماعات لم تواكب خصوصيات المناطق الحضرية والقروية، ولم تقدم حلولاً جذرية لمشكل يتطلب تخطيطاً وطنياً بعيد المدى.

ويطالب متابعون بوضع برنامج وطني شامل لتدبير النفايات، تشارك فيه مختلف القطاعات الحكومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، على أساس أهداف واضحة تشمل تنظيف الفضاءات العمومية، وتحسين ظروف جمع النفايات، وتطوير مراكز الفرز والتدوير، وإنشاء صناعات جديدة تعتمد على تحويل النفايات إلى مواد قابلة للاستعمال.

وتقدم تجارب دولية ناجحة نماذج يمكن الاستفادة منها، حيث تمكنت بعض الدول، مثل سنغافورة، من تحويل ملف النفايات من تحدٍ بيئي إلى فرصة اقتصادية، عبر الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة وإعادة التدوير وتحويل النفايات إلى طاقة، وهو ما ساهم في تحسين جودة البيئة ودعم الاقتصاد وتعزيز جاذبية المدن.

ويؤكد خبراء البيئة أن المغرب يتوفر على إمكانيات كبيرة في هذا المجال، بالنظر إلى حجم النفايات المنتجة يومياً وتنوعها، إلا أن الاستفادة منها تتطلب إرادة سياسية واضحة، وتغييراً في طريقة التفكير، بحيث تصبح النفايات جزءاً من الاقتصاد الدائري بدل أن تبقى عبئاً على ميزانيات الجماعات ومصدراً للتلوث.

إن استمرار الوضع الحالي لم يعد خياراً مقبولاً، فالنظافة ليست مجرد خدمة يومية، بل هي عنصر أساسي في الصحة العامة والتنمية والسياحة والاستثمار. ولذلك فإن الحكومة المقبلة مطالبة بوضع ملف النفايات ضمن أولوياتها، عبر إطلاق مشروع وطني حقيقي يعيد تنظيم القطاع، ويضع حداً لهدر الموارد، ويحول النفايات من مشكلة تؤرق المواطنين إلى فرصة اقتصادية وبيئية تخدم مستقبل المغرب.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك