أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
لم تكن المواجهة التي اندلعت بين الرباط وواشنطن في أبريل 2013 مجرد خلاف دبلوماسي عابر حول صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، بل شكلت محطة كاشفة لتحول أعمق في طريقة تدبير المغرب لعلاقاته الدولية، بعدما أظهرت أن الشراكة الاستراتيجية مع القوى الكبرى لا تعني القبول بكل توجهاتها عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تصنفها المملكة ضمن ثوابتها السيادية.
ففي عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وجدت العلاقات المغربية الأمريكية نفسها أمام واحدة من أكثر أزماتها حساسية، إثر تحرك أمريكي داخل مجلس الأمن لتوسيع ولاية بعثة المينورسو، بما يسمح لها بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان والإبلاغ عنها في الصحراء ومخيمات تندوف. وكانت المبادرة، التي دفعت بها الدبلوماسية الأمريكية في سياق إعداد مشروع قرار جديد، تمثل تحولاً في طبيعة المهام التقليدية للبعثة، التي تأسست أساساً لمراقبة وقف إطلاق النار ومواكبة المسار الأممي لتسوية النزاع.
ولم تتعامل الرباط مع المقترح باعتباره مجرد تعديل تقني في صياغة قرار أممي، بل قرأت فيه محاولة لإدخال ملف حقوق الإنسان إلى صلب اختصاصات بعثة دولية داخل منطقة تعتبرها جزءاً من سيادتها الوطنية. ولذلك انتقلت إلى مواجهة دبلوماسية مباشرة، حشدت خلالها مواقف حلفائها وأطلقت تحركات مكثفة لإقناع أعضاء مجلس الأمن برفض التوجه الأمريكي.
وكانت الرسالة المغربية الأكثر وضوحاً في هذا السياق قرار تعليق مناورات «الأسد الإفريقي» العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة، في خطوة غير مألوفة بالنظر إلى أهمية هذه التدريبات في التعاون العسكري والأمني بين البلدين. وقد جاءت الخطوة في وقت كانت فيه الاستعدادات جارية لتنظيم نسخة 2013 من المناورات، بمشاركة نحو 1400 عسكري أمريكي و900 عنصر من القوات المسلحة الملكية، إلى جانب مراقبين دوليين.
ولم يكن تعليق المناورات مجرد إجراء بروتوكولي، بل حمل دلالة سياسية مفادها أن الشراكة العسكرية والأمنية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط على المغرب في قضية الصحراء. وبذلك استخدمت الرباط أحد أبرز أوجه التعاون مع واشنطن لإيصال اعتراضها إلى الإدارة الأمريكية، في وقت كانت فيه تدرك أن استمرار الأزمة قد ينعكس على مجمل العلاقات الثنائية.
وتشير المعطيات التي وثقها تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي في أكتوبر 2013 إلى أن التوتر تراجع عقب اتصال هاتفي جمع الرئيس باراك أوباما بالملك محمد السادس، قبل أن يتراجع المقترح المتعلق بإضافة مراقبة حقوق الإنسان إلى ولاية المينورسو. وفي 25 أبريل من السنة نفسها، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2099 بالإجماع، ليمدد ولاية البعثة إلى غاية 30 أبريل 2014، دون إقرار الاختصاص الجديد الذي أثار اعتراض المغرب.
لقد كشفت أزمة 2013 عن معادلة أساسية في السياسة الخارجية المغربية: الحليف الاستراتيجي يظل شريكاً، لكن الشراكة لا تلغي حق الدولة في الاعتراض واتخاذ إجراءات عندما ترى أن مصالحها الوطنية مهددة. كما أبرزت أن المغرب قادر على توظيف أوراق متعددة، من الدبلوماسية المباشرة إلى التعاون العسكري، للدفاع عن مواقفه داخل المؤسسات الدولية.
غير أن أهمية تلك المحطة لا تتوقف عند نجاح الرباط في منع توسيع ولاية المينورسو آنذاك، بل تمتد إلى ما أعقبها من تحولات في توجهات السياسة الخارجية. فمنذ تلك المرحلة، اتجه المغرب بشكل متزايد إلى تنويع شراكاته الدولية، وتوسيع مجالات تحركه خارج الدوائر التقليدية، مع إعطاء إفريقيا موقعاً مركزياً في حساباته الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية.
وفي هذا الإطار، برز التحرك المغربي داخل القارة الإفريقية باعتباره أحد أهم ملامح التحول. فبعد سنوات من الغياب عن مؤسسات الاتحاد الإفريقي، إثر انسحاب المملكة من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، كثفت الرباط اتصالاتها وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الدول الإفريقية، قبل أن تستعيد عضويتها في الاتحاد الإفريقي في يناير 2017، بعد غياب دام 33 سنة.
ولم يكن هذا الرجوع مجرد استعادة لمقعد داخل مؤسسة قارية، بل جاء تتويجاً لمسار من العمل الدبلوماسي والاقتصادي الذي استهدف إعادة تموقع المغرب داخل فضائه الإفريقي، وتعزيز حضوره في غرب القارة ووسطها ومنطقة الساحل. وقد تزامن ذلك مع توسيع الاستثمارات المغربية في قطاعات البنوك والاتصالات والأسمدة والطاقة، وتطوير اتفاقيات التعاون والتكوين الديني والأمني، بما منح السياسة الإفريقية للمملكة أبعاداً تتجاوز ملف الصحراء، دون أن تفصل عنه.
وعلى المستوى الدولي، بدأت الرباط تتعامل مع مواقف الدول من قضية الصحراء باعتبارها عنصراً أساسياً في تقييم طبيعة علاقاتها وشراكاتها. وظهر هذا التوجه بوضوح في محطات متعددة، من بينها الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، ثم التحولات التي عرفتها مواقف عدد من الدول الأوروبية، إلى جانب افتتاح قنصليات لبلدان عربية وإفريقية في مدينتي العيون والداخلة.
كما عرفت العلاقات مع شركاء تقليديين أزمات متعاقبة، أبرزها التوتر مع إسبانيا سنة 2021 عقب استقبال زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج فوق أراضيها بهوية جزائرية، وما تلاه من أزمة سياسية ودبلوماسية بين البلدين. وشهدت العلاقات المغربية الألمانية بدورها مرحلة من التوتر خلال السنة نفسها، قبل أن تبدأ مؤشرات استعادة الحوار والتعاون في الظهور لاحقاً. أما العلاقة مع فرنسا، فقد مرت بدورها بفترة من الفتور والتباعد، قبل أن تعرف تحولاً مهماً مع إعلان باريس سنة 2024 دعمها لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً لحل النزاع.
وتكشف هذه المحطات أن المغرب لم يعد يتعامل مع علاقاته الخارجية بمنطق ثبات التحالفات بصرف النظر عن اختلاف المواقف، بل أصبح يربط مستوى التعاون السياسي والاستراتيجي بمدى مراعاة الشركاء لمصالحه الأساسية. وهي مقاربة لا تعني القطيعة مع الحلفاء التقليديين، بقدر ما تعكس توجهاً نحو إعادة ضبط العلاقات على أساس المصالح المتبادلة وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن التغيرات التي عرفتها البيئة الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل تنامي التنافس على النفوذ في إفريقيا، وتراجع أدوار بعض القوى التقليدية في منطقة الساحل، وصعود شركاء جدد في مجالات الاستثمار والتسليح والتكنولوجيا. كما أن التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب، وتطوير بنياته التحتية وموانئه وشبكات الربط الطرقي والسككي، ساهمت في توفير أدوات إضافية لدعم حضوره الخارجي.
وفي المقابل، ظلت العلاقة مع الجزائر أحد أبرز محددات الحسابات الاستراتيجية المغربية، بالنظر إلى استمرار الخلاف حول الصحراء وإغلاق الحدود البرية وتوقف مسارات التعاون المغاربي. وقد أدى تراكم التوترات إلى انتقال المنافسة بين البلدين إلى مجالات متعددة، من الدبلوماسية والتحالفات الدولية إلى التسلح والطاقة والتحركات داخل المؤسسات الإقليمية.
وبين أزمة واشنطن سنة 2013 والتحولات التي أعقبتها، يتضح أن السياسة الخارجية المغربية دخلت مرحلة تقوم بدرجة أكبر على تنويع الشركاء وتوسيع الخيارات، بدل حصر المصالح الوطنية في إطار علاقة تقليدية واحدة. وقد ساعد هذا التوجه على استعادة الحضور الإفريقي، وتعزيز العلاقات مع قوى دولية مختلفة، ورفع مستوى الحضور المغربي في النقاشات المرتبطة بمستقبل الصحراء.
إن دلالة أزمة 2013 تتجاوز تفاصيل الخلاف حول اختصاصات المينورسو؛ فهي تمثل لحظة اختبار لقدرة المغرب على الدفاع عن أولوياته في مواجهة شريك استراتيجي كبير، كما تكشف عن بداية مرحلة اتسع فيها هامش القرار الدبلوماسي للمملكة. وبينما تتواصل التحولات الجيوسياسية، يبدو أن الرهان المغربي لم يعد مقتصراً على الحفاظ على التحالفات القائمة، بل أصبح مرتبطاً ببناء شبكة واسعة من المصالح والشراكات، تمنح المملكة قدرة أكبر على التحرك والتفاوض وحماية أولوياتها الوطنية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك