أنتلجنسيا:أبو جاسر
جددت الولايات المتحدة الأمريكية تمسكها بمواصلة التحرك الدبلوماسي من أجل إنهاء النزاع حول الصحراء، رافضة اعتبار هذا الملف مستعصياً على التسوية السياسية، وذلك عقب التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي، الجمعة 30 أكتوبر، بعدما استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بمستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، في تطور وضع الوجود الأممي بالمنطقة أمام مرحلة غير مسبوقة منذ إحداث البعثة سنة 1991.
وأكدت الإدارة الأمريكية، على لسان ممثلها لدى الأمم المتحدة مايك والتز، أن الرئيس دونالد ترامب لا يعتبر استمرار النزاع لنحو خمسة عقود مبرراً للاستسلام أمام حالة الجمود، مشددة على أن واشنطن ستواصل العمل مع الأمم المتحدة والأطراف المعنية من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي يضع حداً لهذا الملف، بالتوازي مع استعدادها للتنسيق مع الأمين العام للمنظمة الدولية بشأن ترتيبات انسحاب منظم ومستقر للبعثة الأممية، بما يضمن سلامة موظفيها ويراعي المتطلبات الأمنية والإنسانية.
وأوضح الدبلوماسي الأمريكي، في موقف أعقب إسقاط المشروع الذي تقدمت به بلاده، أن الفيتو الروسي عرقل مبادرة حظيت بتأييد 11 عضواً من أصل 15 داخل مجلس الأمن، وكانت تهدف، بحسب واشنطن، إلى فتح مرحلة جديدة في مسار تسوية النزاع، من خلال تمديد ولاية المينورسو لمدة سنة إضافية، ودعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام، وتعزيز المسار السياسي، إلى جانب اتخاذ خطوات مرتبطة بالأوضاع الإنسانية للاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف.
وأضاف والتز أن المشروع الأمريكي كان يرمي إلى تجاوز المقاربة التي ظلت معتمدة لعقود، معتبراً أن استمرار التعامل مع النزاع بالآليات نفسها لم يعد يحقق النتائج المطلوبة، في ظل تعثر تنظيم الاستفتاء الذي أنشئت البعثة أساساً للإعداد له، واستمرار معاناة السكان في المخيمات، وهو ما دفع واشنطن إلى المطالبة بإعادة النظر في طبيعة المهمة الأممية وأولوياتها.
وتوقف المسؤول الأمريكي عند الدور الذي اضطلعت به روسيا في تعطيل المشروع، معتبراً أن استخدام حق النقض حال دون استثمار التأييد الواسع الذي حظي به المقترح داخل المجلس، ومشيراً إلى أن بلاده كانت تسعى إلى تحقيق تقدم إضافي استناداً إلى التطورات التي عرفها الملف خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً القرار الأممي رقم 2797 الذي شكل، وفق القراءة الأمريكية، أرضية جديدة لتحريك المفاوضات.
وشدد ممثل واشنطن على أن الرئيس ترامب يرفض التسليم باستمرار النزاع إلى أجل غير محدد، مؤكداً أن الجهود الدبلوماسية التي تقودها الإدارة الأمريكية لن تتوقف بسبب تعثر التصويت الأخير، وأن بلاده ستواصل التنسيق مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى الصحراء ستافان دي ميستورا، فضلاً عن الأطراف المعنية، بهدف التوصل إلى تسوية دائمة تنهي حالة الانسداد السياسي.
وفي تطور موازٍ، أعلن والتز استعداد الولايات المتحدة للعمل مع الأمانة العامة للأمم المتحدة من أجل ضمان انسحاب منظم ومستقر لعناصر المينورسو، في حال ترتب على انتهاء ولايتها تقليص وجودها أو إنهاء مهمتها بصيغتها الحالية، موضحاً أن أي ترتيبات بهذا الشأن ينبغي أن تحمي الموظفين الأمميين وتعالج الاحتياجات الأمنية والإنسانية المشروعة، بما يمنع حدوث فراغ قد تكون له انعكاسات على الاستقرار الميداني.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة بالنظر إلى أن مجلس الأمن أخفق في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي، الأمر الذي جعل مستقبل البعثة معلقاً على انتهاء ولايتها المحددة في 31 أكتوبر، دون التوصل إلى توافق بشأن تمديدها أو إعادة صياغة مهامها، وهو وضع يفتح الباب أمام مشاورات جديدة بشأن كيفية تدبير المرحلة المقبلة داخل الأمم المتحدة.
وكان المشروع الأمريكي يتضمن تمديد ولاية المينورسو لمدة اثني عشر شهراً إضافية، مع إجراء تغييرات جوهرية على اسمها وطبيعة اختصاصاتها، من خلال حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها، لتصبح بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، إلى جانب جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع، مع تقليص المكون العسكري للبعثة وإعادة توجيه بعض مهامها.
وحظي المقترح الأمريكي بتأييد 11 دولة داخل مجلس الأمن، بينما امتنعت ثلاث دول عن التصويت، في حين صوتت روسيا ضده مستخدمة حق النقض، وهو ما حال دون اعتماده رغم حصوله على أغلبية واسعة، وأعاد إلى الواجهة التباينات العميقة بين القوى الكبرى بشأن طبيعة الحل السياسي ومستقبل الوجود الأممي في المنطقة.
وفي المقابل، دافعت موسكو عن موقفها بالقول إن المشروع الأمريكي تجاوز حدود إعادة تنظيم مهمة البعثة، واتجه نحو تبني مقاربة منحازة لأحد أطراف النزاع قبل التوصل إلى اتفاق تفاوضي، معتبرة أن مجلس الأمن لا ينبغي أن يستبق نتائج المفاوضات أو يحسم قضايا مرتبطة بالسيادة من خلال فرض صيغة سياسية بعينها.
ولم يتوقف الخلاف عند إسقاط المشروع الأمريكي، بل امتد إلى المبادرة الروسية المضادة التي سعت إلى تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية مع الإبقاء على مهامها وهيكلتها الحالية دون تغييرات جوهرية، غير أن هذا المقترح لم يتمكن بدوره من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، بعدما حصل على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل صوت أمريكي معارض وامتناع 11 عضواً عن التصويت.
وأدى هذا التعثر المزدوج إلى وضع البعثة الأممية أمام منعطف حساس، بعدما عجز المجلس عن الاتفاق على صيغة تضمن استمرار مهمتها، سواء وفق التصور الأمريكي الداعي إلى إعادة هيكلتها أو وفق المقترح الروسي الذي يدافع عن تمديد تقني يحافظ على وضعها السابق، الأمر الذي جعل مستقبلها مرتبطاً بتطور المشاورات الدبلوماسية خلال الساعات والأيام المقبلة.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى طبيعة المهمة التي أُنشئت من أجلها المينورسو سنة 1991، في إطار خطة التسوية التي رعتها الأمم المتحدة بين المغرب وجبهة البوليساريو، والتي تضمنت وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء يحدد مستقبل الإقليم، غير أن الخلافات بشأن تحديد هوية الناخبين المؤهلين للمشاركة حالت دون تنظيم هذا الاستحقاق، لتتحول البعثة تدريجياً إلى آلية أممية لمراقبة الوضع الميداني والمساهمة في الحفاظ على قنوات الاتصال ومنع التصعيد.
واستندت واشنطن في دفاعها عن مشروعها إلى أن الاستفتاء لم يتمكن من الخروج إلى حيز التنفيذ طوال أكثر من ثلاثة عقود، معتبرة أن استمرار الإبقاء على الإطار نفسه دون مراجعة لا يقدم إجابات عملية عن مستقبل النزاع، وهو ما يفسر توجهها نحو تغيير اسم البعثة وتعديل اختصاصاتها، بما يتماشى مع تصورها الجديد للمفاوضات والخيارات المطروحة أمام الأطراف.
وفي هذا السياق، أعاد والتز التذكير بالأوضاع الإنسانية التي يعيشها اللاجئون الصحراويون في مخيمات تندوف، مستحضراً التحذيرات الأممية المرتبطة بالتغذية والصحة وظروف العيش، ومشدداً على ضرورة عدم ترك هذه الفئات رهينة استمرار النزاع لعقود إضافية دون أفق سياسي واضح، كما دعا إلى تسجيل اللاجئين وتوفير معطيات دقيقة بشأن أوضاعهم، باعتبار ذلك جزءاً من الجهود الرامية إلى معالجة الجوانب الإنسانية للملف.
وعلى المستوى المغربي، يأتي الموقف الأمريكي في وقت رحب فيه الديوان الملكي بعدم تجديد ولاية المينورسو، معتبراً أن التطور الذي عرفه مجلس الأمن يستدعي إنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل موظفيها ومركباتها وتجهيزاتها ورموزها، خلال الأيام المقبلة، مع التأكيد على استمرار التزام المغرب بوقف إطلاق النار.
ويعكس هذا الموقف المغربي رغبة في الانتقال إلى مرحلة جديدة من تدبير الملف، تقوم على تجاوز الإطار التقليدي الذي ارتبط بالاستفتاء، والدفع نحو اعتماد مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للحل السياسي، خصوصاً في ظل التحولات التي شهدتها مواقف عدد من الدول داخل مجلس الأمن، والدعم الذي حظي به المقترح المغربي في القرارات الأممية الأخيرة.
وفي الجهة المقابلة، اعتبرت جبهة البوليساريو أن المشروع الأمريكي يمثل مساساً بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، ورحبت بالفيتو الروسي الذي حال دون اعتماده، مؤكدة تمسكها بخيار الاستقلال وبالمرجعية التي تأسست عليها خطة التسوية الأممية، وهو ما يعكس استمرار التباعد بين مواقف الأطراف رغم التحركات الدبلوماسية المتواصلة.
وتضع هذه التطورات الجزائر بدورها أمام تداعيات مرحلة جديدة في النزاع، بالنظر إلى دعمها لجبهة البوليساريو وموقعها في المعادلة الإقليمية المرتبطة بالملف، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي غياب التوافق داخل مجلس الأمن إلى تعقيد المسار السياسي ورفع مستوى التوتر في منطقة ظلت لعقود مرتبطة بحسابات أمنية ودبلوماسية متشابكة.
وتحمل مسألة انسحاب المينورسو أهمية تتجاوز الجانب الإداري المرتبط بسحب الموظفين والمعدات، بالنظر إلى أن البعثة تضطلع بمهام مراقبة وقف إطلاق النار والمساهمة في خفض التوتر الميداني، وهو ما يجعل إنهاء وجودها أو تقليص صلاحياتها يطرح تساؤلات بشأن الآليات التي يمكن أن تعوض دورها في مراقبة التطورات الأمنية وتفادي سوء التقدير بين الأطراف.
وتحذر منظمات إنسانية من أن فقدان البعثة لوظائف المراقبة واحتواء التصعيد قد ينعكس على سلامة المدنيين والاستقرار الإقليمي، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الميدانية منذ سنة 2020، بعدما أعلنت جبهة البوليساريو استئناف الأعمال القتالية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة محاطة بتحديات تتطلب تنسيقاً أممياً ودولياً لتفادي أي تطورات غير محسوبة.
وتؤكد هذه المعطيات أن انتهاء الولاية لا يعني بالضرورة مغادرة جميع عناصر البعثة ومعداتها بشكل فوري، إذ يتطلب أي انسحاب فعلي ترتيبات عملية ولوجستية بالتنسيق مع الأمانة العامة للأمم المتحدة، فضلاً عن معالجة الجوانب الأمنية والإنسانية المرتبطة بوجود الموظفين الأمميين، كما يظل احتمال التوصل إلى صيغة جديدة أو اتفاق بشأن تمديد المهمة رهيناً بعودة التوافق بين أعضاء مجلس الأمن.
وتكشف المواجهة الدبلوماسية الأخيرة عن انتقال الخلاف بشأن الصحراء من النقاش التقليدي حول طبيعة الحل السياسي إلى مواجهة مباشرة حول مستقبل الآلية الأممية المكلفة بمواكبة النزاع، بعدما أصبح مصير المينورسو نفسه موضوع خلاف بين واشنطن وموسكو، في ظل اختلاف الرؤى بشأن المرجعية التي ينبغي أن تؤطر المفاوضات المقبلة.
وتجد الأمم المتحدة نفسها، تبعاً لذلك، أمام مسؤولية تدبير مرحلة دقيقة تتطلب الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الميداني، وعدم السماح بتحول الخلاف داخل مجلس الأمن إلى فراغ مؤسساتي وأمني، خصوصاً أن فشل المجلس في اعتماد أي من المشروعين يضع مصداقية المسار الأممي أمام اختبار جديد، ويزيد من أهمية التحرك الدبلوماسي لتفادي إغلاق قنوات التسوية.
وتشير الرسائل الأمريكية إلى أن إدارة ترامب تعتزم مواصلة الضغط من أجل تغيير مقاربة تدبير النزاع، مع الإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة تحت إشراف الأمم المتحدة، غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط في مفاوضات جديدة، وبقدرة القوى الدولية على تجاوز الخلافات التي ظهرت بوضوح خلال التصويت الأخير.
وتفتح هذه المرحلة الباب أمام تحولات محتملة في مستقبل الملف، بين توجه أمريكي يدفع نحو إعادة صياغة دور الأمم المتحدة وربط المفاوضات بمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وموقف روسي يرفض ما يعتبره حسمًا مسبقاً لمسائل السيادة، وتمسك جبهة البوليساريو بمرجعية تقرير المصير، في وقت يواصل فيه المغرب التأكيد على أن مبادرته تشكل أرضية عملية للتوصل إلى تسوية سياسية.
وتبقى الرسالة الأبرز التي حملها الموقف الأمريكي أن واشنطن لا تعتزم التخلي عن مساعيها بشأن الصحراء رغم الفيتو الروسي، وأنها مستعدة للانتقال إلى تدبير مرحلة ما بعد المينورسو إذا تعذر التوصل إلى اتفاق بشأن استمرارها، وهو ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل الوجود الأممي بالمنطقة، وطبيعة المسار الذي ستسلكه الجهود الدولية لإنهاء نزاع امتد لنحو نصف قرن.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك