أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم يعد ميناء الناظور غرب المتوسط مجرد منشأة بحرية جديدة على الواجهة المتوسطية، بل تحول إلى رهان اقتصادي واستراتيجي يروم إحداث قطب صناعي ولوجستي وطاقي بالجهة الشرقية، وفتح مرحلة جديدة في توزيع مراكز الاستثمار والإنتاج بالمملكة، بما يعزز حضور المغرب في حركة التجارة الدولية ويمنح المنطقة مؤهلات لمنافسة أقطاب اقتصادية قائمة، في مقدمتها طنجة والدار البيضاء.
وتتجاوز أهمية هذا المشروع توفير بنية تحتية لاستقبال السفن وتداول الحاويات، إذ يقوم على تصور متكامل يجمع بين الميناء والمنصات الصناعية واللوجستية والطاقية، في مسعى لاستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وتحويل الجهة الشرقية إلى وجهة جديدة للأنشطة الاقتصادية والصناعية المرتبطة بالأسواق العالمية.
وتكشف المعطيات الرسمية عن حجم الرهان الموضوع على هذا الورش، بعدما بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المرصودة له نحو 54 مليار درهم، في وقت يرتقب أن تدخل المحطة الأولى للحاويات حيز الاستغلال خلال الأيام القليلة المقبلة، بطاقة استيعابية تصل إلى 3.5 ملايين حاوية عند اكتمالها، على أن تلتحق بها محطة ثانية في أبريل 2027 بطاقة إضافية تبلغ 1.8 مليون حاوية.
ولا تقتصر مكونات المشروع على النشاط المينائي، بل تشمل أيضا منشآت متخصصة في تخزين المحروقات ومعالجة الغاز الطبيعي المسال، فضلا عن محطات للبضائع الصلبة وغير المعبأة والبضائع المختلفة، بما يمنح المركب إمكانات لتطوير أنشطة تجارية وصناعية متعددة، ويعزز موقع المغرب في مجال الخدمات اللوجستية والأمن الطاقي.
وتبرز المنطقة الصناعية الملحقة بالميناء باعتبارها أحد المحركات الأساسية للتحول الاقتصادي المنتظر، بعدما دخلت حيز النشاط، وتضم حاليا مصنعا واحدا قيد التشغيل وثلاثة مصانع أخرى في طور البناء. ويرتقب أن تساهم هذه الدينامية في استقطاب وحدات إنتاجية جديدة، وتوسيع النسيج الصناعي بالمنطقة، وخلق فرص أمام المقاولات المحلية للاندماج في سلاسل التوريد والخدمات.
وعلى مستوى التشغيل، تشير التقديرات الرسمية إلى إمكانية إحداث نحو 1400 منصب شغل مباشر و20 ألف فرصة عمل غير مباشرة على المدى القريب، وهي أرقام تضع المشروع أمام تحدي تحويل الاستثمارات الضخمة إلى فرص اقتصادية ملموسة لفائدة سكان الجهة، خصوصا الشباب الباحثين عن العمل.
ويظل تكوين الموارد البشرية وتأهيل الكفاءات المحلية من الشروط الأساسية لتحقيق هذه الأهداف، بالنظر إلى حاجة الأنشطة الصناعية واللوجستية والطاقية إلى مهارات متخصصة. وفي هذا السياق، جرى التأكيد على تسريع برامج التكوين المرتبطة بالمهن الجديدة، حتى يتمكن شباب المنطقة من الاستفادة من فرص الشغل التي سترافق توسع المشروع.
كما تراهن الدولة على تحسين الربط بين الميناء ومحيطه الاقتصادي، من خلال إنجاز الطريق السيار الرابط بين جرسيف والناظور غرب المتوسط، والربط السككي بين سلوان والمركب المينائي، إلى جانب تأهيل الشبكة الطرقية، بما يسهل حركة البضائع والأشخاص ويعزز ارتباط المنطقة بمختلف المراكز الاقتصادية الوطنية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن استراتيجية أوسع لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي وتعزيز تنافسية المغرب في غرب البحر الأبيض المتوسط، إذ ينتظر أن يشكل ميناء الناظور غرب المتوسط قطبا مكملا لميناء طنجة المتوسط، وليس مجرد منافس له، من خلال توسيع العرض المينائي الوطني وتوفير منصات جديدة للصناعة والتخزين والخدمات المرتبطة بالتجارة البحرية.
وبذلك، يفتح المشروع أمام الجهة الشرقية فرصة لإعادة تموقعها داخل الخريطة الاقتصادية للمملكة، والانتقال من موقع جغرافي يملك مؤهلات استراتيجية إلى مجال يستقطب الاستثمارات ويحتضن أنشطة إنتاجية جديدة. غير أن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطا بمدى قدرة المشروع على جذب المستثمرين، وإدماج المقاولات المحلية، وتوفير فرص الشغل والتكوين، وضمان امتداد آثاره التنموية إلى مختلف أقاليم المنطقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك