أطفال المغرب تحت وصاية "نظام سجني" وتقرير رسمي يفضح اختلالات خطيرة في قانون حماية الطفولة

أطفال المغرب تحت وصاية "نظام سجني" وتقرير رسمي يفضح اختلالات خطيرة في قانون حماية الطفولة
ديكريبتاج / الأحد 29 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

 فجّر المجلس الوطني لحقوق الإنسان معطيات صادمة حول مشروع القانون رقم 29.24، كاشفاً عن توجه تشريعي يثير القلق ويضع مستقبل حماية الطفولة على المحك، وسط مخاوف من انزلاق خطير نحو مقاربة أقرب إلى “الضبط الأمني” منها إلى الرعاية الاجتماعية.

التقرير يرسم صورة مقلقة لبنية قانونية تمنح أولوية واضحة لما يسمى “النظام المحروس”، حيث يطغى منطق الحراسة والانضباط والعقوبات على روح النص، في مقابل حضور باهت ومحدود للنظام المفتوح، الذي يُفترض أن يشكل بديلاً تربوياً وإنسانياً. هذا التفاوت لا يبدو مجرد تفصيل تقني، بل يعكس، بحسب القراءة الحقوقية، توجهاً ضمنياً يجعل من المقاربة الزجرية المرجع الأساسي في التعامل مع الأطفال في وضعية صعبة.

الأخطر أن هذا البناء التشريعي، كما يشير التقرير، يرسخ تصوراً مؤسساتياً يُعامل الطفل كموضوع للضبط بدل اعتباره فاعلاً يحتاج إلى مواكبة وإدماج، ما يطرح تساؤلات عميقة حول فلسفة المشروع برمته، وهل يتعلق فعلاً بحماية الطفولة أم بإعادة إنتاج نموذج مؤسساتي ذي طابع شبه سجني.

وعلى مستوى الهندسة المؤسساتية، يبرز إحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة كمؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، غير أن هذا الاختيار، رغم أهميته الظاهرية، يخفي محدودية في الاستقلال الفعلي، حيث تبقى الوكالة خاضعة لمنطق التخطيط والبرمجة والقيود الميزانياتية، دون أن تُمنح صفة هيئة مستقلة قادرة على الإشراف المباشر على تنفيذ التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الطفل.

هذا التوجه يفتح الباب أمام مقاربة تدبيرية ضيقة، تُقيد تدخلات الوكالة بالإمكانات المتاحة بدل أن تؤسس لحق فعلي وشامل في الحماية، خاصة مع اعتماد مركزية القرار من الرباط، وربط توسيع التغطية الترابية بقرارات إدارية، ما يحوّل الحق في الحماية إلى خيار قابل للتأجيل بدل التزام ملزم.

التقرير لم يقف عند حدود الهيكلة، بل امتد إلى اللغة المستعملة داخل النص القانوني، حيث انتقد بشدة استعمال مصطلحات ذات حمولة سجنية مثل “النزيل” و”الإيداع”، داعياً إلى تعويضها بمفاهيم أكثر إنسانية مثل “الطفل” و”التكفل” و”الاستقبال”، في محاولة لفك الارتباط الرمزي بين مؤسسات حماية الطفولة ومؤسسات الحرمان من الحرية.

وفي جانب آخر لا يقل حساسية، أشار التقرير إلى أن بعض المقتضيات تمنح إدارة المراكز سلطة واسعة في تدبير الأموال الخاصة بالأطفال، مع تقليص دورهم في اتخاذ القرار، وهو ما يعكس، مرة أخرى، منطق الوصاية بدل التمكين، في غياب آليات واضحة تضمن حق الطفل في الاطلاع والمشاركة في تدبير شؤونه المالية.

كما أثار المجلس إشكالات تتعلق بضمان الحقوق الأساسية، مثل الحق في التعليم، الذي ورد بصيغة عامة دون تحديد الجهة المسؤولة عن تنفيذه، إضافة إلى غموض المعايير المرتبطة بظروف الإيواء، حيث تم تأجيل تحديدها إلى نصوص تنظيمية لاحقة، ما يضعف قابلية التطبيق والمساءلة.

في المحصلة، لا يبدو الجدل حول هذا المشروع مجرد نقاش تقني حول مواد قانونية، بل معركة حقيقية حول طبيعة الدولة الاجتماعية: هل تسير نحو حماية قائمة على الكرامة والتمكين، أم تنزلق نحو نموذج مؤسساتي يعيد إنتاج منطق الضبط داخل فضاءات يفترض أن تكون ملاذاً آمناً للأطفال؟ السؤال لم يعد نظرياً، بل بات مطروحاً بإلحاح في ظل مؤشرات تنذر بتحول خطير في فلسفة حماية الطفولة بالمغرب.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك