أنتلجنسيا:أبو جاسر
على بعد أشهر من الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، وبينما تنهمك الأحزاب السياسية في العاصمة الرباط في ترتيب أوراقها الداخلية وصياغة التحالفات وتوزيع التزكيات، تكشف المؤشرات الميدانية أن المزاج الشعبي يسير في اتجاه مغاير تماماً، حيث تتسع فجوة الثقة بين المواطنين والطبقة السياسية بشكل غير مسبوق، في مشهد يعكس بروداً واضحاً تجاه العملية الانتخابية.
أحدث المعطيات التي كشفت عنها شبكة Afrobarometer الدولية في جولتها العاشرة لسنة 2024، وضعت الفاعل الحزبي أمام أرقام مقلقة تعكس عمق الأزمة. فبحسب نتائج الاستطلاع، فإن نسبة مهمة من المغاربة تبدو بعيدة عن الحماس للمشاركة السياسية، إذ أظهرت البيانات أن 33.8 في المائة من المستجوبين صرحوا بأنهم لا يعرفون لمن سيصوتون إذا جرت الانتخابات في الوقت الراهن، وهي النسبة التي ترتفع إلى 38.5 في المائة في المناطق القروية، ما يعكس حالة واسعة من التردد والضبابية في المواقف الانتخابية.
غير أن المؤشر الأكثر إثارة للقلق يتمثل في أن 34.1 في المائة من المواطنين أكدوا بشكل صريح أنهم لن يشاركوا في التصويت، وهي نسبة ترتفع إلى 35 في المائة في المدن وتصل إلى 37.1 في المائة بين النساء. ومع إضافة نسبة 11.4 في المائة من الأشخاص الذين فضلوا عدم الإجابة عن السؤال، يتضح أن قرابة أربعة أخماس الكتلة الناخبة المحتملة لا تظهر أي ارتباط فعلي بالأحزاب السياسية، سواء بسبب العزوف أو التردد أو رفض الإفصاح عن الموقف الانتخابي.
هذه المعطيات تقوض أيضاً واحدة من القواعد التقليدية التي كانت تعتمد عليها الانتخابات في المغرب، حيث شكل العالم القروي لسنوات طويلة خزانا انتخابيا يساهم في رفع نسب المشاركة. غير أن الأرقام الجديدة تشير إلى حالة ارتباك واضحة في هذا المجال، إذ يبدو أن جزءاً مهماً من سكان القرى يعيش حالة من التيه السياسي تعكس استياءً اجتماعياً واقتصادياً متراكماً.
ويربط متابعون هذا التحول بجملة من العوامل، من بينها تداعيات الجفاف المتكرر، وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى شعور متزايد لدى فئات من سكان المناطق القروية بأن السياسات العمومية لم تستجب لتطلعاتهم الأساسية. وقد تجلت هذه المؤشرات في عدد من الاحتجاجات المحلية التي شهدتها بعض المناطق خلال الفترات الماضية للمطالبة بتحسين الخدمات الأساسية والبنيات التحتية.
كما تعكس الأرقام تراجعاً لافتاً في مستوى الثقة بالمؤسسات السياسية، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع أن 34.1 في المائة من المشاركين يعلنون انعدام ثقتهم الكامل في أحزاب الأغلبية الحكومية، في حين عبّر 61.9 في المائة عن عدم رضاهم عن الأداء العام لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، وهو مؤشر يعكس اتساع دائرة الانتقاد للأداء السياسي خلال السنوات الأخيرة.
ويرى متابعون أن هذه النتائج تعكس فشلاً واضحاً للأحزاب في تجديد خطابها السياسي واستقطاب فئات جديدة من الناخبين، حيث أصبح جزء كبير من الرأي العام ينظر إلى الفاعل الحزبي باعتباره جزءاً من دائرة مغلقة تدافع عن مصالحها الخاصة، وهو ما أضعف ثقة المواطنين في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير حقيقي.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، يبرز تحدٍ أكبر يتعلق بمدى قوة الشرعية السياسية التي ستستند إليها الحكومة المقبلة. فحتى لو جرت الانتخابات وفق المساطر القانونية والدستورية، فإن ضعف الإقبال قد يطرح إشكالاً سياسياً وأخلاقياً حول حجم التمثيلية الشعبية للمؤسسات المنتخبة.
وتزداد هذه المخاوف مع الأرقام المتعلقة بنوايا التصويت للأحزاب، حيث لا تتجاوز نسبة التأييد للأحزاب المتصدرة عتبة بضعة نقاط مئوية، إذ تشير البيانات إلى أن حزب الاستقلال يحظى بنحو 4 في المائة، يليه حزب الأصالة والمعاصرة و*حزب العدالة والتنمية* بنسبة تقارب 3.8 في المائة لكل منهما، بينما يسجل التجمع الوطني للأحرار حوالي 3.2 في المائة فقط، وهي نسب تعكس تراجعاً واضحاً في الحضور الانتخابي للأحزاب الكبرى.
في ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن المعركة الحقيقية في تشريعيات 2026 لن تكون فقط بين الأغلبية والمعارضة، بل بين الطبقة السياسية برمتها وكتلة واسعة من المواطنين الذين اختاروا الابتعاد عن صناديق الاقتراع أو فقدوا الثقة في جدوى المشاركة.
ويرى محللون أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة أمام الأحزاب لإعادة بناء الجسور مع المجتمع وإقناع الناخبين بجدوى العملية الديمقراطية، خصوصاً في ظل رهانات وطنية ودولية كبيرة تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة، من بينها الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك، وهو تحدٍ يتطلب جبهة داخلية قوية ومؤسسات تحظى بثقة شعبية واسعة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك