أزمة السكن في المغرب تتفاقم وارتفاع الأسعار يضغط على الشباب والأسر

أزمة السكن في المغرب تتفاقم وارتفاع الأسعار يضغط على الشباب والأسر
مجتمع / الجمعة 18 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:أبو دعاء

تحولت مسألة السكن في المغرب إلى واحد من أبرز الملفات الاجتماعية التي تشغل الأسر والشباب، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بأسعار العقارات وتكاليف الكراء، خصوصاً في المدن الكبرى التي تستقطب السكان وفرص الشغل والخدمات، وبينما تشير المعطيات الرسمية إلى تحسن نسبي في نشاط السوق العقارية خلال سنة 2026، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الولوج إلى السكن أصبح أكثر سهولة بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، التي تواجه فجوة بين مستوى المداخيل والكلفة الإجمالية لاقتناء مسكن أو استئجاره.

وتكشف أحدث معطيات مؤشر أسعار الأصول العقارية الصادر عن بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية أن أسعار العقارات السكنية ارتفعت خلال الفصل الثاني من سنة 2026 بنسبة 1 في المائة على أساس فصلي، مدفوعة بارتفاع أسعار الشقق بالنسبة نفسها، وزيادة أسعار المنازل بنسبة 0,3 في المائة، فيما سجلت أسعار الفيلات ارتفاعاً أكبر بلغ 3,3 في المائة، وبالموازاة مع ذلك ارتفع عدد المعاملات السكنية بنسبة 6,3 في المائة، ما يعكس عودة النشاط إلى السوق رغم استمرار صعوبة الولوج إلى الملكية بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين.

ولا تتوزع هذه الضغوط بالوتيرة نفسها بين مختلف المدن المغربية، إذ تظهر معطيات السوق تفاوتات واضحة في الأسعار بحسب الموقع ونوعية السكن وقربه من مناطق العمل والخدمات، فيما سجلت الرباط وطنجة خلال الفترة الأخيرة تحركات لافتة في أسعار الأصول العقارية، وهو ما يضع الباحثين عن السكن أمام معادلة صعبة، فكلما اقترب العقار من مراكز المدن والمرافق الأساسية ارتفعت كلفته، بينما يؤدي الانتقال إلى الضواحي في كثير من الحالات إلى إضافة تكاليف النقل والوقت إلى الميزانية الشهرية للأسرة.

وتبرز المشكلة بشكل أكبر لدى الشباب المقبلين على الزواج أو الراغبين في الاستقلال عن أسرهم، إذ إن شراء شقة يتطلب في الغالب تعبئة مدخرات مهمة واللجوء إلى تمويل بنكي يمتد لسنوات طويلة، في حين يمثل الكراء بديلاً أكثر مرونة لكنه يفرض بدوره التزاماً شهرياً قد يستهلك جزءاً مهماً من دخل الأسرة، خصوصاً في المدن التي ترتفع فيها أسعار الإيجار، وهو ما يجعل السكن أحد العوامل المؤثرة في القرارات الأسرية والاقتصادية للشباب وليس مجرد حاجة أساسية منفصلة عن باقي الضغوط الاجتماعية.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، أطلقت الدولة برنامج الدعم المباشر للسكن بهدف تسهيل الولوج إلى الملكية، وقد أظهرت معطيات رسمية أن عشرات الآلاف من الطلبات تمت الموافقة عليها ضمن البرنامج، مع استفادة نسبة مهمة من الشباب، كما تتضمن السياسة العمومية برامج أخرى لمحاربة السكن غير اللائق، وفي هذا السياق أعلنت الحكومة استفادة أكثر من 382 ألف أسرة من برنامج "مدن بدون صفيح" إلى نهاية سنة 2025، مع استمرار العمل على إعادة الإسكان وتحسين ظروف الأسر المستفيدة.

غير أن استمرار ارتفاع الطلب في المدن الكبرى مقابل محدودية الأراضي وارتفاع تكلفة اقتنائها يجعل معالجة أزمة السكن مرتبطة بأكثر من مجرد تقديم دعم مباشر للمشترين، إذ تحتاج السوق أيضاً إلى زيادة العرض الملائم لمستويات الدخل المختلفة، وتوفير مشاريع سكنية قريبة من شبكات النقل والمدارس والمستشفيات ومواقع العمل، كما أن التحكم في كلفة العقار والكراء يظل مرتبطاً بدينامية العرض والطلب وبقدرة السياسات العمومية على توجيه الاستثمار العقاري نحو الفئات التي تواجه أكبر صعوبة في امتلاك سكن لائق.

ويكشف واقع السوق في سنة 2026 عن مفارقة لافتة، فمن جهة تسجل المعاملات العقارية ارتفاعاً وتظهر مؤشرات على انتعاش النشاط، ومن جهة أخرى لا تزال القدرة على شراء السكن تشكل تحدياً بالنسبة إلى فئات واسعة من الأسر، ما يعني أن ارتفاع النشاط العقاري لا يساوي بالضرورة تحسناً في القدرة على الولوج إلى السكن، خصوصاً عندما تكون الزيادة في الأسعار أسرع من قدرة بعض الأسر على الادخار أو تحمل أقساط التمويل والكراء.

وبالنسبة إلى الطبقة المتوسطة، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، فهي تقع بين شروط السكن المدعوم التي قد لا تنطبق دائماً على احتياجاتها وبين أسعار العقار في المدن الكبرى التي تتجاوز في عدد من الحالات قدرتها التمويلية، وقد دفعت هذه الوضعية بعض الأسر إلى البحث عن عقارات قديمة أو الانتقال إلى أحياء وضواحٍ أبعد سعياً إلى خفض كلفة الشراء، وهو خيار قد يوفر سعراً أقل لكنه قد يرفع في المقابل كلفة التنقل ويؤثر على جودة الحياة اليومية.

ومع استمرار النقاش حول أسعار العقار والكراء، يبدو أن أزمة السكن في المغرب لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك منزل، بل أصبحت قضية اجتماعية واقتصادية تتقاطع فيها القدرة الشرائية مع فرص الشغل والتوسع الحضري والنقل وتوزيع الخدمات، ولذلك فإن التحدي المطروح خلال المرحلة المقبلة يتمثل في إيجاد توازن بين تنشيط سوق العقار وحماية القدرة على الولوج إلى السكن، بما يسمح للشباب والأسر بالحصول على مسكن لائق دون أن يتحول القرض أو الكراء إلى عبء طويل الأمد يضغط على ميزانية الأسرة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك