أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
سجل مؤشر ثقة الأسر المغربية تراجعاً
خلال الربع الثاني من سنة 2026، ليصل إلى 60.1 نقطة، بعدما كان في حدود 64.4 نقطة
خلال الربع السابق، في مؤشر يعكس استمرار حالة من الحذر والقلق لدى الأسر تجاه
أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا التراجع في وقت تواجه فيه الأسر مجموعة
من الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة، والمصاريف اليومية، وتدبير النفقات الأساسية،
بينما لا تزال مسألة تحسين الدخل والقدرة على الادخار تشكل تحدياً كبيراً بالنسبة
إلى شريحة واسعة من المواطنين.
وتكشف هذه الأرقام أن جزءاً مهماً من
الأسر لا يزال ينظر إلى المستقبل الاقتصادي بنوع من التحفظ، خصوصاً في ما يتعلق
بقدرتها على تحسين مستوى معيشتها خلال الفترة المقبلة. فحتى عندما تسجل بعض
المؤشرات الاقتصادية تحسناً على المستوى الوطني، فإن انعكاس ذلك على الحياة
اليومية للمواطنين يحتاج إلى وقت، كما أن ارتفاع النفقات المرتبطة بالسكن والغذاء
والتعليم والنقل والخدمات المختلفة يجعل الأسر أكثر حساسية لأي تغير في الأسعار أو
الدخل. ولذلك أصبحت القدرة الشرائية واحدة من أكثر القضايا حضوراً في النقاش
الاجتماعي والسياسي بالمغرب.
ويزداد الضغط على ميزانيات الأسر مع
اقتراب الموسم الدراسي، وهي الفترة التي تعرف عادة ارتفاعاً في النفقات بسبب
اقتناء الكتب واللوازم والملابس المدرسية، إضافة إلى مصاريف النقل والدروس
والخدمات المرتبطة بالتمدرس. وبالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، فإن
هذه المصاريف قد تتحول إلى عبء إضافي يفرض تقليص نفقات أخرى أو الاستعانة
بالمدخرات، وهو ما يفسر جزئياً استمرار القلق بشأن القدرة على الادخار وتغطية
المصاريف غير المتوقعة.
ولا يقتصر القلق على الأسعار وحدها،
بل يرتبط أيضاً بمدى شعور الأسر بالأمان الاقتصادي والاجتماعي. فالأسرة عندما
تواجه دخلاً محدوداً ومصاريف متزايدة تصبح أكثر حرصاً في الإنفاق وأكثر تخوفاً من
المستقبل، خصوصاً في حال ظهور نفقات مفاجئة مرتبطة بالصحة أو التعليم أو السكن.
ومن هنا فإن مؤشر الثقة لا يعكس فقط نظرة المواطنين إلى الوضع الاقتصادي الحالي، وإنما
يقدم صورة عن مستوى التفاؤل أو التشاؤم بشأن قدرتهم على مواجهة الالتزامات المقبلة
وتحسين أوضاعهم المعيشية.
ويأتي هذا التراجع في الثقة في مرحلة
سياسية مهمة، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حيث أصبحت الملفات الاجتماعية
والاقتصادية في مقدمة القضايا التي تحاول الأحزاب استقطاب الناخبين من خلالها.
وتحظى القدرة الشرائية والتشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية باهتمام
واسع، خصوصاً أن المواطنين لا يقيسون أداء السياسات العمومية بالأرقام الاقتصادية
فقط، وإنما بمدى تأثيرها المباشر على حياتهم اليومية وقدرتهم على تلبية احتياجات
أسرهم.
ويرى كثير من المتابعين أن تحسين ثقة
الأسر يتطلب معالجة مجموعة من الملفات في الوقت نفسه، بدءاً من دعم الدخل وتحسين
فرص العمل، وصولاً إلى ضبط تكاليف الخدمات الأساسية وتعزيز جودة التعليم والصحة.
كما أن خلق فرص شغل مستقرة وذات دخل مناسب يبقى عاملاً أساسياً في رفع الإحساس
بالأمان الاقتصادي، لأن الأسرة التي تتوفر على دخل مستقر تكون أكثر قدرة على
الاستهلاك والادخار والتخطيط للمستقبل، مقارنة بأسرة تعيش تحت ضغط البطالة أو ضعف
الدخل.
وفي المقابل، فإن تراجع مؤشر الثقة لا
يعني بالضرورة دخول الأسر في أزمة اقتصادية عامة، لكنه يشير إلى وجود فجوة بين بعض
المؤشرات الاقتصادية الكلية وبين الإحساس اليومي للمواطنين بالوضع المعيشي. فقد
تحقق البلاد نمواً واستثمارات مهمة، لكن المواطن يظل معنياً قبل كل شيء بما يدفعه
في السوق، وبمصاريف السكن والتعليم والصحة والنقل، وبمدى قدرته على الاحتفاظ بجزء
من دخله لمواجهة المستقبل. وهذه الفجوة تمثل تحدياً مهماً أمام السياسات
الاقتصادية والاجتماعية.
ويبقى رفع ثقة الأسر من الملفات
الأساسية التي ستواجه الحكومة المقبلة، لأن الاستقرار الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم
النمو والاستثمارات والاحتياطيات، وإنما أيضاً بمدى شعور المواطنين بأن هذا التحسن
يصل إلى حياتهم اليومية. وإذا نجحت السياسات العمومية في تحسين التشغيل والدخل
والسيطرة على ضغوط تكاليف المعيشة وتعزيز الخدمات الأساسية، فقد تستعيد الأسر
تدريجياً ثقتها في المستقبل، وتتحول من منطق تدبير الضروريات إلى القدرة على
الادخار والاستثمار في مستقبل أبنائها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك