أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
عادت القدرة الشرائية للأسر المغربية إلى واجهة النقاش
الاجتماعي بقوة مع حلول شهر شتنبر، الذي يشكل بالنسبة إلى ملايين الأسر بداية موسم
جديد من النفقات المرتبطة بالدخول المدرسي ومصاريف التعليم واللوازم والخدمات،
وذلك في وقت لا يزال فيه الإحساس بغلاء المعيشة حاضرا رغم تسجيل تراجع في بعض
مؤشرات الأسعار، وتظهر أحدث المعطيات أن ثقة الأسر تراجعت إلى 60.1 نقطة خلال
الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل 64.4 نقطة خلال الفصل الأول، في مؤشر يعكس
استمرار حالة الحذر والقلق بشأن الوضع المعيشي والقدرة على مواجهة المصاريف
المقبلة.
وتكشف المعطيات نفسها أن 65.3 في المائة من الأسر المغربية
تعتبر أن الظروف الحالية غير ملائمة لاقتناء السلع المستديمة، مقابل 14.7 في
المائة فقط التي ترى عكس ذلك، بينما تتوقع 51 في المائة من الأسر تدهور مستوى
معيشتها خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، في حين تنتظر 39.7 في المائة استقرار
وضعها، ولا تتوقع سوى 9.3 في المائة تحسنا في مستوى المعيشة، وهي أرقام تعكس
استمرار التشاؤم لدى شريحة واسعة من الأسر، خصوصا مع تراكم المصاريف في فترة قصيرة
وارتفاع الالتزامات المرتبطة بالدخول المدرسي.
ويأتي هذا الوضع رغم تسجيل انخفاض في مؤشر الأسعار العام بنسبة
1 في المائة خلال شهر يوليوز، غير أن تراجع التضخم لا يعني بالضرورة أن جميع الأسر
شعرت بتحسن مباشر في قدرتها على الإنفاق، لأن الوضع المالي لكل أسرة يرتبط بمستوى
الدخل وعدد أفرادها وطبيعة المصاريف الشهرية والالتزامات الخاصة بها، كما أن
انخفاض أسعار بعض المواد لا يلغي ارتفاع أو ثقل تكاليف أخرى، وهو ما يجعل الإحساس
بالضغط المعيشي مختلفا من أسرة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى.
ويشكل شهر شتنبر تحديا خاصا بالنسبة إلى الأسر التي لديها أبناء
متمدرسون، إذ تتزامن بداية الموسم الدراسي مع اقتناء الكتب والدفاتر والأدوات
والملابس والمستلزمات المختلفة، إضافة إلى مصاريف النقل والتسجيل وبعض الخدمات
المرتبطة بالتعليم، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع النفقات خلال فترة زمنية قصيرة، ويجعل
الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط أمام ضرورة إعادة ترتيب ميزانيتها وتقليص بعض
المصاريف الأخرى لتوفير الحاجيات الأساسية المرتبطة بالتمدرس.
وفي ظل هذه الضغوط، تصاعد النقاش حول ضرورة اتخاذ إجراءات
إضافية لحماية القدرة الشرائية، حيث تعتبر قوى سياسية أن معالجة الوضع لا ينبغي أن
تقتصر على رفع الأجور أو تقديم الدعم، وإنما يجب أن تشمل أيضا ضبط الأسعار وتنظيم
مسالك توزيع المواد الأساسية والحد من الاختلالات التي يمكن أن تؤثر على السعر
النهائي الذي يؤديه المستهلك، كما تطرح مطالب بتقوية المنافسة وتشديد المراقبة على
الأسواق حتى تستفيد الأسر فعليا من أي انخفاض في أسعار المنتجات عند مستويات
الإنتاج أو البيع بالجملة.
ويزداد هذا النقاش أهمية مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية،
بعدما أصبحت القدرة الشرائية واحدة من أبرز الملفات التي تتنافس الأحزاب على تقديم
حلول بشأنها، حيث تتضمن البرامج الانتخابية وعودا بخفض أسعار بعض المواد الأساسية
وتخفيف الأعباء عن الأسر وتحسين المداخيل ورفع مستوى الدعم الاجتماعي، في محاولة
للاستجابة لمطلب اجتماعي أصبح أكثر حضورا في النقاش العمومي، خصوصا لدى الأسر التي
تشعر بأن ارتفاع تكاليف المعيشة لا يزال يفوق قدرتها على تحمل المصاريف اليومية.
وبين انخفاض
بعض مؤشرات الأسعار واستمرار الإحساس بارتفاع تكاليف المعيشة، يبقى ملف القدرة
الشرائية من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية في المغرب، خاصة مع بداية موسم الدخول
المدرسي وما يرافقه من مصاريف إضافية، والأرقام المتعلقة بثقة الأسر وتوقعاتها
بشأن المستقبل تؤكد أن تحسين المؤشرات الاقتصادية وحده لا يكفي، ما لم ينعكس بشكل
ملموس على ميزانية الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، وهو ما يجعل
التحكم في الأسعار وتحسين الدخل وتوفير خدمات عمومية أكثر جودة من أبرز التحديات
الاجتماعية خلال المرحلة المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك