أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
تعيش الأسر المغربية على وقع ضغوط متزايدة على قدرتها الشرائية،
في ظل استمرار ارتفاع عدد من تكاليف المعيشة وتزامن ذلك مع موجة جديدة من الارتفاع
في أسعار المحروقات، وهو ما يعيد إلى الواجهة المخاوف من انتقال هذه الضغوط إلى
أسعار النقل والمواد والخدمات، ويجعل المواطن أمام وضع اقتصادي يفرض عليه إعادة
ترتيب أولوياته بشكل مستمر لتغطية حاجياته الأساسية.
ولا يتعلق الأمر فقط بالسعر الذي يدفعه المواطن عند شراء الوقود
أو بعض المواد، بل بالتأثير المتسلسل الذي يمكن أن ينتج عن ارتفاع كلفة الطاقة،
فالمحروقات تدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في تكلفة نقل المنتجات والسلع، كما ترتبط
بها أنشطة الفلاحة والصناعة والتوزيع والخدمات، وبالتالي فإن استمرار ارتفاعها قد
يدفع عددا من المهنيين والمقاولات إلى رفع تكاليف خدماتهم أو أسعار منتجاتهم
للحفاظ على توازن أنشطتهم.
وتجد الأسر محدودة ومتوسطة الدخل نفسها في وضع أكثر صعوبة، لأن
أي زيادة في المصاريف اليومية تعني تقليص جزء من النفقات الأخرى، خصوصا أن ميزانية
الأسرة تكون في الغالب موزعة بين الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة والفواتير،
ومع ارتفاع إحدى هذه النفقات يصبح من الصعب الحفاظ على المستوى نفسه من الاستهلاك،
وهو ما يجعل الإحساس بالغلاء أكبر من مجرد أرقام تسجلها المؤشرات الاقتصادية.
وتزداد حساسية الوضع مع اقتراب الدخول المدرسي، حيث تواجه الأسر
مصاريف إضافية تتعلق بالكتب واللوازم والملابس والنقل، في وقت تأتي فيه هذه
النفقات بعد فترة من المصاريف المرتفعة المرتبطة بالعطلة والسفر وموسم الصيف،
الأمر الذي يجعل شهر شتنبر من أكثر الفترات ضغطا على ميزانية العائلات، خصوصا
بالنسبة للأسر التي لديها أكثر من طفل في سن الدراسة.
كما ينعكس ارتفاع تكاليف النقل على عدد كبير من المواطنين الذين
يعتمدون يوميا على السيارات أو سيارات الأجرة أو وسائل النقل العمومي للوصول إلى
أماكن العمل والدراسة، فزيادة كلفة التنقل تعني عمليا اقتطاع جزء أكبر من الدخل
الشهري، وقد تدفع بعض الأسر إلى تقليص تنقلاتها أو التخلي عن بعض الأنشطة غير
الأساسية، بينما يجد العاملون والمهنيون الذين يعتمدون على المركبات في عملهم
أنفسهم أمام تكاليف تشغيل أعلى.
ويشكل الوضع أيضا ضغطا على التجار والمقاولات الصغيرة، لأن
ارتفاع كلفة النقل والطاقة والتزويد يمكن أن يؤدي إلى تراجع هوامش الربح، خصوصا
بالنسبة للأنشطة التي لا تملك قدرة كبيرة على امتصاص الزيادات، وقد تجد بعض
المقاولات نفسها مضطرة إلى تمرير جزء من هذه التكاليف إلى المستهلك، ما يخلق حلقة
متواصلة تبدأ بارتفاع الطاقة وتنتهي بارتفاع أسعار السلع والخدمات.
ورغم أن الاقتصاد المغربي يسجل مؤشرات نمو إيجابية في عدد من
القطاعات، فإن المواطن يقيس الوضع الاقتصادي أساسا من خلال قدرته على تلبية
حاجياته اليومية، ولذلك يمكن أن يتعايش ارتفاع النمو مع استمرار الشعور بالضغط إذا
لم ينعكس تحسن النشاط الاقتصادي بشكل واضح على الدخل وفرص العمل والأسعار، وهو ما
يجعل موضوع القدرة الشرائية أكثر حساسية من مجرد تسجيل معدلات النمو والاستثمار.
ويزداد القلق عندما تتزامن هذه الضغوط مع ارتفاع أسعار الطاقة
في الأسواق الدولية والتوترات الجيوسياسية التي تهدد استقرار الإمدادات وتكاليف
النقل، لأن المغرب يعتمد على استيراد حاجياته الطاقية، وبالتالي فإن استمرار
ارتفاع النفط عالميا قد ينعكس على السوق الداخلية ويضع مزيدا من الضغط على أسعار
المحروقات وعلى تكاليف الإنتاج والنقل، بما يرفع احتمال استمرار موجة الغلاء.
يبقى السؤال الأساسي هو إلى
أي حد تستطيع الأسر المغربية تحمل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، خصوصا إذا استمرت
المحروقات في مستويات مرتفعة، لأن آثارها لا تتوقف عند محطة الوقود وإنما تمتد إلى
مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من التنقل إلى الغذاء والخدمات، ولذلك فإن حماية
القدرة الشرائية أصبحت تحديا اقتصاديا واجتماعيا يتطلب إجراءات قادرة على الحد من
انتقال ارتفاع التكاليف إلى المواطن، وضمان ألا تتحول التقلبات الخارجية إلى عبء
دائم على ميزانية الأسر.